ونلمح خيطًا دقيقًا واصلًا بين جميع الإشارات إذ يستأنف بالورد مؤثرًا له على جميع الأزاهير مانحًا إياه صفتي الحكمة والتعقل ثم يأتي بمشهد المرسين رمز اللهو والطيش فيرد الورد عليه وينصحه في المشهد نفسه ثم يأتي مشهد إشارة البان، الذي يتمايل طربًا وزهوًا فتلومه سائر الأشجار فيبسط عذره ونجد الكثير من عبارات الوصل بين الإشارات مثل"فلما سمع المرسين كلام الورد قال..."،"فلما سمع الورد كلام المرسين قال..."."فأجابه النرجس من حاضره وهو ناظر لمناظره قال..."."فناداه النيلوفر..."،"فناداه منظوم المنثور...."، فصاح بفصاحته الياسمين"، وكل هذا في مشاهد حوارية متتابعة أشبه بمائدة أفلاطون ـ وأخيرًا يختم السحاب الكلام ببيان فضله على جميع النباتات والمخلوقات."
أما القسم الأول الموسوم بإشارة الأطيار فإنه يحتوي الكثير من الإشارات مما لا تدخل في قسم الطير وكان الأولى تسميته إشارات الأطيار والحيوانات والحشرات ولا تنتهي المشكلة إذا قبلنا بهذا التقسيم لأنه وضع إشارة النحلة وإشارة الشمع وإشارة الفراش وإشارة الشمع الثاني وإشارة النار بين إشارات الأطيار ولم يضع كلًا من إشارتي النحلة والفراش في قسم الحشرات بل وضعها لكونها تطير في قسم إشارة الأطيار فلذلك من الأفضل أن نسمي هذا القسم إشارات ذوات الأجنحة.
في القسم الثاني ابتدأ ابن غانم بإشارات الطبيعة الصامتة واستطاع أن ينطقها ويسمع همسها وضجيجها وأن يستنبط منها خصائصها وصفاتها الدالة على حكمة الخالق، ومن ثم سلوكها تجاه مبدعها وتأرجحه بين الجحود والشكر وأن يجعل منها مجتمعًا نباتيًا له صفات المجتمع الإنساني نفسه أو بعبارة أخرى أن يسقط واقع مجتمعه الصاخب على المجتمع النباتي الصامت ـ فيما يبدو ظاهرًا ـ إذا كان استطاع أن يستنتج كل هذا من ذلك المجتمع الصامت فإنه بلا شك أقدر على الاستقراء والاستنتاج والاستنباط في مجتمع الحيوان الذي يعج بالحيوية والنشاط.