ما زلنا في خطبة الكتاب ولئن كنا قد حاولنا استشفاف بعض ما أوحى إلينا قسم حمد الله والصلاة على نبيه، فإنه بعدها يذكر مباشرة سبب تأليف الكتاب وغرضه الأصلي وهو عبارة عن خلوة فكرية تأملية فلسفية في رحاب الطبيعة الصامتة والحية لأنها ما زالت على طهرها وصفائها وفطرتها ففضل أن تكون موعظاته نابعة من لسان الحال لأنه أصدق من لسان المقال، ثم يذكر سبب وضع الكتاب فيقول:"وقد وضعت كتابي هذا مترجمًا عما استفدته من الحيوان برمزه ومن الجماد بغمزه وما خاطبتني به الأزهار بلسان حالها والأطيار عن مستقرها وارتحالها". أما الغرض من تأليفه فهو كما قال"وجعلته موعظة لأهل الاعتبار وتذكرة لذوي الاستبصار فاعتبروا يا أولي الأبصار". أما أسلوبه الأساسي فهو الرمز."فمن طالع مثالي وفهم ضرب أمثالي فهو من أمثالي. ومن أعجم عليه إشكالي فليس من أشكالي". مستمدًا من الفلسفة التي تقول إن الإنسان يأخذ قسمًا كبيرًا من طباعه من الطبيعة فمن هنا، نقول: وديع كالحمل أو ماكر كالثعلب أو صابر كالجمل ولا يكتفي ابن غانم بالرموز الحيوانية المستعملة بل يلجأ إلى الرموز النباتية مستمدًا من خصائصها ليعبر بها عن طباع الناس المختلفة، فالرمز عنده ليس تسترًا من الأوضاع السياسية أو الاجتماعية بل لأجل الابتعاد عن التقريرية والمباشرة وإرسال المواعظ في شكل قصصي يؤمن لها سهولة المدخل ودوام التأثير فتحث على المزيد من التفكير في مخلوقات الله لمعرفة عظمة الله سبحانه وتعالى وجليل حكمته.