في تاريخ الفكر العربي كتب وفصول من السير الذاتية. نذكر منها"المنقذ من الضلال"للغزالي، ونذكر منها"التعريف برحلة ابن خلدون شرقًا وغربًا"لابن خلدون نفسه، كما نذكرما دبّجته يراعة ابن سينا عن نشأته ودراسته وأتمّه تلميذه الجوزجاني. وكل هذه السير صادقة ودقيقة ومتوازنة توازن أصحابها.
ولكنا هنا ننوه بمذكرات كان لكتابتها أثر بليغ في نفس مؤلفها وهي ما كتبه جان جاك روسو في كتابيه:"أحلام متنزه منفرد"و"اعترافاتي"نعرض منها ما تتبعه شارل لولا تتبعًا فيه شيء من النقد والسخرية.
يقول في كتابه أحلام متنزه:"أستأنف تتمة الفحص الصادق والدقيق الذي دعوته سابقًا اعترافاتي وأقصر أيامي الأواخر على دراستي لنفسي وعلى ابتداري أعداد محاسبتي لنفسي وهي التي لن أتأخر في تقديمها". المرحلة الأولى في هذه الاعترافات هي الصدق. يقول روسو:"ينبغي ألا يبقى شيء من نفسي غامضًا أو خفيًا للملأ الذي أحاول أن أبدوَ له تمامًا فيتعقبَني في ضلالات قلبي كلها."ثم يقول:"أود لو أستطيع بشكل ما أن أجعلني شفافًا في عيني القارئ."ثم يقول:"تلك ضلالات صباي وخطاياه سردت قصتها سردًا أمينًا يرضى عنه قلبي."
المرحلة الثانية هي أن روسو بعدئذ ينظر إلى ماضيه فيرتفع به إلى جو سام. كل شيء فعله روسو جيد وجميل ولو كان في حدِّ ذاته سيئًا وقبيحًا. لا يصدر عن الطيب. من المعلوم أنه كان في صباه متروك العنان على الغارب، لم يُعنَ به أبوه ولا سهر على تربيته. ضيَّع جزءًا طويلًا من طفولته سدى وهو الذي يذكر ذلك. فهل يأسف على الزمن الضائع. هيهات! بل يتمدح ويفتخر. نقرأ فيما كتب:"قلت وأعيد وربما أعيد أيضًا مرة جديدة أمرًا أزداد كل يوم يقينًا به، وهو أنه إن كان فتى تلقى تربية سليمة ومعقولة فهو أنا."