وله مع ذي الكفايتين مناظرة طيبة. قال (الوزير) : ما هي؟ قلت: لما ورد ذو الكفايتين سنة أربع وستين (أي بعد الثلاثمائة) وهزم الأتراك مع أفتكين، وكان من الحديث ما هو مشهور، سأل عن ابن الحجاج، وكان متشوقًا له لما كان يقرأ عليه من قوافيه، فأحب أن يلقاه، لأنه ليس الخبر كالمعاينة، والمسموع والمبصر كالأنثى والذكر ينزع كل واحد منهما إلى تمامه، فلما حضره أبو عبد الله احتبسه للطعام، وسمع كلامه، واستحلى شمائله، فقام من مجلسه، فلما خلا به قال: يا أبا عبد الله، لقد والله تهت عَجَبًا منك، فأما عُجْبي بك فقد تقدم، لقد كنت أفْلي ديوانك، فأتمنى لقاءك، وأقول: من صاحب هذا الكلام؟ أطيش طائش، وأخف خفيف، وأغرم غارم، وكيف يجالس من يكون في هذا الإهاب؟ وكيف يقارب من ينسلخ من ملابس الكتاب وأصحاب الآداب؟ حتى شاهدتك الآن، فتهالكت على وقارك وسكون أطرافك، وسكوت لفظك، وتناسب حركاتك، وفرط حيائك، وناضر ماء وجهك، وتعادل كُلك وبعضك. وإنك لمن عجائب خلق الله وطُرَف عباده؛ والله ما يصدق واحد أنك صاحب ديوانك، وأن ذلك الديوان لك، مع هذا التنافي الذي بين شعرك وبينك في جدك. فقال أبو عبد الله: أيها الأستاذ، (وهل) كان عجبي منك دون عجبك مني! لو تقارعنا على هذا لفلجت عليك بالتعجب منك، قال: لأني قلت إذا ورد الأستاذ فسألقى منه خلقًا جافيًا، وفظًا غليظًا، وصاحب دواسر [1] ، وآكل كوامخ، وجبليًا ديلميًا مكائبًا متعاظمًا، حتى رأيتك الآن، وأنت ألطف من الهواء، وأرق من الماء، وأغزل من جميل بن معمر، وأعذب من الحياة، وأرزن من الطود، وأغزر من البحر، وأبهى من القمر، وأندى من الغيث، وأشجع من الليث، وأنطق من سحبان، وأندى من الغمام، وأنفذ من السهام، وأكبر من جميع الأنام. فقال أبو الفتح وتبسم: هذا أيضًا من ودائع فضلك وبواعث تفضلك، ووصله
لقد وعى ابن حجاج هو نفسه هذا التناقض بين سمته ووقاره وهندامه من جهة ومضمون شعره من جهة مقابلة. وهو القائل: