والأمثلة على ذلك كثيرة في هذا البرنامج الإصلاحي، وهذا مستغرب من رجل يجعل النظر العقلي أول أصل إسلامي ويصر على دور العقل في الإقناع.. ولكن ذلك يؤكد لنا من جديد، أن معظم رواد الإصلاح في عصر النهضة كانت تتحكم في مشاعرهم نزعة استخفاف وتعالٍ على الإنسان العامي الشعبي.. لقد تحول الشعب إلى ذاك"الآخر"الذي هو سبب كل الانحطاط والتخلف، هو ذاك الجاهل صاحب العقل الأسطوري، ذاك البليد النائم عن الأمور العامة والأحاسيس القومية، ذاك المخلوق الذي يجب أن نقنن له كل المعطيات، فنحرك أحاسيسه بلغة وجدانية مدروسة، ونستنهض همته بقيم منتقاة ونسوقه إلى الغايات المطلوبة.
وكان من نتيجة هذا الموقف، أن تجمع المتنورون المثقفون حول هؤلاء الدعاة وابتعد عنهم كل العامة، لقد أحدثت تنظيراتهم شرخًا عميقًا بين المتعلمين وبين الجماهير والعوام. فأهمل العامة الدعاة المصلحين والتصقوا أكثر فأكثر برجال الصوفية -وإن كان منهم الدجالون المشعوذون -لأن المتصوفين ظلوا ملتصقين بواقع الإنسان العامي، متبنين لقضاياه.
لقد كان عبده يتقلب في المقولات بحسب هواه الراهن، فها هو ذا عندما مشى مع الوطنيين ينادي بالحرية والتحرير والوطنية. ويكتب في (الوقائع المصرية) مفصلًا موجبات حب الوطن. فيقول مثلًا:"إن في الوطن من موجبات الحب والحرص والغيرة ثلاثة"ويقول:"... وجب على المصري حب الوطن من كل هذه الوجوه" (87) . إلى غير ذلك من كتاباته السياسية (88) .. ولكن بعد أن عاد من المنفى إلى مصر وتقرر لديه سلطة الاحتلال نراه يتوجه إلى الشعب بمقولة ثورية غير الوطنية ألا وهي الدين. فيقول مثلًا:"ومن ظن أن اسم الوطن، ومصلحة البلاد، وما أشبه كل ذلك من الألفاظ الطنانة يقوم مقام الدين في إنهاض الهمم وسوقها إلى الغايات المطلوبة منها، فلقد ضل سواء السبيل" (89) .