ويذهب عبده إلى أبعد الحدود في حرية الاعتقاد فيقول:"يقولون: إن لم يكن للخليفة ذلك السلطان الديني أفلا يكون للقاضي أو للمفتي أو شيخ الإسلام؟ وأقول: إن الإسلام لم يجعل لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية قررها الشرع الإسلامي، ولا يسوغ لواحد منهم أن يدّعي حق السيطرة على إيمان أحد أو عبادته لربه، أو ينازعه في طريق نظره" (57) .
والملاحظ أن عبده أنكر السلطة الدينية هربًا من المفهوم المسيحي لها، مع أن النموذج الإسلامي في الحكم نموذج مغاير. فلا يمكننا موافقة عبده على قيام تنظير إسلامي على أنقاض رفض لمواقف في أديان أخرى، فتتحول بذلك النظرية الإسلامية من فعل برز من النصوص إلى"رد فعل"أوجدته الظروف. ويقع علماؤنا المسلمون تحت براثن كل تيار فتتعطل جهودهم في الرد والمجابهة.
يقول عبده:"أصل آخر وهو السلطة الدينية التي منحت للرؤساء على المرؤوسين في عقائدهم وما تمكنه ضمائرهم. وقد أحكم هذه السلطة ما ورد.. من إنجيل"متى"أعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطًا في السموات، وكل ما تحمله على الأرض يكون محلولًا في السموات.. فإذا قال الرئيس الكهنوتي لشخص أنه ليس بمسيحي صار كذلك، وإذا قال أنه مسيحي فاز بها. فليس المعتقد حرًا في اعتقاده، يتصرف في معارفه كما يرشده عقله.. وهذا الأصل إن نازع فيه بعض النصارى اليوم فقد جرت عليه النصرانية خمسة عشر قرنًا طوالًا (58) . كما يقول:"نشر البابا منشورًا في سنة 1864 جاء فيه لعن كل من يقول بجواز خضوع الكنيسة لسلطة مدنية، أو جواز أن يفسر أحد شيئًا من الكتب المقدسة على خلاف ما ترى الكنيسة أو يعتقد بأن الشخص حر فيما يعتقد ويدين به ربه..." (59) ."