فريق رأى الخلاص في السياسة فثار ونادى بالوطنية حينًا، والقومية حينًا آخر، مستخدمًا على الغالب الإسلام كمقولة ثورية.. ثار هذا الفريق.. واتهم كل الآخرين بالجبن والخذلان، أو بالسعي وراء مفاهيم"طوباوية"لا قَدَم لها في واقع المسلمين.
وفريق رأى الخلاص بتقليد الغرب فتسلم زعامة التقدم ونادى بالتطوير والتجديد ونعت كل الآخرين بالرجعية والجمود..
وفريق رأى الخلاص في الدين، فتطلع إلى حركات إصلاحية تصبو إلى قيادة المجتمعات على أسس دينية ترتضيها.
في زحمة هذه التناقضات التي أبرزتها طبيعة الظروف الزمنية ولد الشيخ محمد عبده عام 1849م) (2) ، تلقى تعليمه الأولي وبدأ حفظ القرآن وهو في السابعة من عمره، في قريته"محلة نصر"من أعمال مديرية"البحيرة".
ثم في سنة 1862م حمله والده إلى"الجامع الأحمدي"بطنطا ليتعلم تجويد القرآن، وبعد أن استكمل التجويد بدأ في سنة 1864م بتلقي أولى دروسه الأزهرية. كان منهج النحو في"الجامع الأحمدي"يبدأ بشرح الكفراوي على الأجرومية، ولكن بعد أن قضى ممد عبده سنة ونصف السنة لا يفهم شيئًا لكثرة الاصطلاحات النحوية والفقهية قرر ترك الدراسة، هربًا من طريقة التدريس التي ارتفعت أمامه سدًا في مواجهة الفهم والمعرفة، وآثر الانصراف إلى الزراعة مهنة عائلته.
وهكذا كان، ففي عام 1865م عاد إلى القرية وتزوج. ولكن بعد أربعين يومًا من زواجه ألزمه والده بالعودة إلى"الجامع الأحمدي"ومتابعة طلب العلم.
في هذه الفترة، فترة ثورة محمد عبده على العالم والتعلم وعالم الكتاب برمته، دخل الشيخ درويش خضر حياته وأسهم في تغيير مسارها (3) . والشيخ درويش خضر إلى جانب كونه خالًا لوالده هو رجل صوفي اجتمع بأتباع السنوسية في طرابلس الغرب، وتشير بعض المصادر إلى أنه شاذلي.