وبشأن مواجهة الأبالسة والشياطين، فهم إقبال أن ذلك يتم بفاعلية حركية إجرائية مستندة إلى العقيدة الإسلامية التي لم يأنس فيها التواكل والسكون الجامد. فمقصد الإنسان في هذه الحياة (17) معرفة ذاته وتقويتها، وتنمية مواهبها، واستنباط ما في فطرتها، وليس من الخير في شيء إنكار الذات أو إضعافها. ولا ينبغي العمل لفنائها، ولا الرضا به كما يفعل الهنادكة وصوفية العجم. لأن نفي الذات هو من اختراع الأمم المغلوبة بعدما زينت الأقوام الغالبة لها أن الزهد والاستكانة وإنكار الذات هي السبيل فحسب للدار الآخرة، في حين أن الحياة الفانية والباقية، تقوم بالعمل والجهاد، فعالم المادة كائن لا ريب فيه، وإن على الإنسان أن يقهره ويسخره لنوال مقاصده والارتقاء بنفسه الإنسانية من خلال تسخير هذا العالم لخدمتها.
فمبدأ الحركة عندما إقبال ينسجم مع تفسيره للغائية (18) . فالحركة ليست إلا نوعًا من تأهب الإنسان لقبول ما تمليه الضرورات الجديدة، وإمكانيته في التعامل معها، سواء على نطاق الفرد أو المجتمع.
وهذا كله يتناغم (19) مع ضبط النفس، الذي لا يكون إلا بنفي الخوف والشهوات، والذي لا يحكم نفسه حري به أن يحكم عليه غيره. وبهذا فهم إقبال الزهد على أنه لا يعني أن لا تملك شيئًا، ولكن الزهد أن لا يمتلكك شيء.
وقبل الخاتمة، فإن إقبال لم يفهمه المسلمون، ولم يفطن إليه الحكام الإنجليز (20) فلو فهمه الأولون لتحرروا، ولو فطن إليه الآخرون لما مات في لاهور بل منفيًا في جزيرة اندمان (الماء الأسود) .
وفي هذا المعنى يذكر إقبال في كتابه جناح جبريل (21) : إني لا أقول إلا ما أراه حقًا لقد غضب عليّ أقربائي، كما أن الأجانب لم يرضوا عني أيضًا، لأن أعمال الرجال الإنارة والحرارة، وأعمال السفلة الاحتيال وفقدان الحياء.