أما في العراق فقد كانت الخلافة الإسلامية تعيش عصيب أوقاتها. فالفرس والأتراك يتحكمون بمقاليد الحكم، ويسيرون أمور الدولة على حسب أهوائهم. وكان الخلفاء العباسيون ألعوبة في أيديهم (19) . وكان الخطر يحدق بالخلافة العباسية منذ أوائل القرن السابع للهجرة، فالمغول بقيادة جنكيز خان استولوا على بخارى وسمرقند وبلخ حوالي عام 616-617هـ/ 1219-1220م، ولقي المسلمون على أيديهم ضروبًا مختلفة من الذل والهوان والعذاب. وكانت نوايا المغول تتجه نحو غزو العراق الذي اجتاحته جيوشهم بعد معارك مختلفة انقضت بين كرٍّ وفرّ إلى أن بلغوا تخوم بغداد عام 635هـ/ 1237م (20) ليحاصروها ويضربوها بالمناجيق وكان أن سقطت بغداد عام 656هـ/ 1258م وكان ذلك ايذانًا بزوال الخلافة العباسية.
أما حالة العلم والعلماء فكانت في أعصب أوقاتها. فبعد أن عرفت بغداد ذلك العصر الذي تألقت فيه العلوم والآداب والفنون، حيث كانت حركة الترجمة من لغات الشعوب والأمم المختلفة، على ما حوتها من آداب وعلوم وفلسفات، إلى اللغة العربية على أشدها في ذلك الوقت، وفتحت هذه الحركة أمام علمائنا وأدبائنا آفاقًا جديدة ووضعت بين أيديهم إمكانات هائلة ما كانوا ليصلوا إليها أو يعرفوها لولا تلك الترجمات الغزيرة، لتجيء بعدها القرائح والأفكار العربية فتزيد عليها وتبتكر فيها بعد أن تمثلتها ووعتها وشرحتها. بعد ذلك العصر المتألق أصبحت معالم الازدهار والتقدم تضمحل وشعلة الحضارة تتلاعب بها رياح الاضطرابات والانقسامات والحروب التي عرفها القرن السابع للهجرة، إلى أن خبت وانطفأت مع استيلاء المغول على بغداد.