وكان أشهر من عاصرهم ابن أبي الدم في حماة: الشاعر الفقيه شرف الدين الأنصاري 662هـ، والمصنف علي بن محمد الموسوي المعروف بابن دفتر خوان 665هـ، والفقيهة المحدثة صفية القرشية 646هـ التي تفردت في زمانها بإجازة جماعة من أهل العلم. كما عاصر طرفًا من حياة ابن أبي الدم مؤرخ الدولة الأيوبية جمال الدين بن واصل الحموي 697هـ صاحب (مفرج الكروب في أخبار بني أيوب) .
وقد ساعد هذا الوسط العلمي ابن أبي الدم، فنشأ محبًا للعلم وأهله، كلفًا به. وأخذ أولياته في حماة، ثم شد الرحال في طلبه على عادة أهل زمانه، فسافر في صباه إلى بغداد، وتفقه فيها من ابن سكينة (10) حتى بلغ في الفقه مرتبة عالية. ولقي الحظوة لدى الخليفة العباسي الإمام الناصر لدين الله، وخلع عليه برًا وتكرمة. ويروي لنا ابن واصل في تاريخه أن ابن أبي الدم قدم إلى حماة وعليه خلعة الخليفة (11) .
ولم يلبث ابن أبي الدم في حماة غير قليل، حتى نهد إلى مصر ونزل القاهرة وسمع بها، وحدّث في حلقات أهل العلم وبيوت أصحاب الفضل.ثم اختير ليكون قاضيًا في همذان، ونحن لا نملك أية معلومات عن إقامته فيها. ولما عاد إلى ديار الشام حدّث في معظم مدنها، واستقر به المقام في حماة. وقد ولاه صاحب حماة الملك الناصر قلج أرسلان قضاءها في فترة حكمه الممتدة بين عامي 617-626هـ، وعكف فيها على التأليف في الفقه والحديث والقضاء والتاريخ، وكانت مطارحاته في الفتوى موضع اهتمام طائفة من أهل العلم أمثال الرافعي (12) وابن الرفعة (13) والسبكي (14) وأبيه تقي الدين.. وأضرابهم. وقد ذكر السبكي طرفًا منها في طبقاته (15) .