إلا أن إزاحة أطباق التراب عن هذه المعالم الرائعة في عصرنا عرضها لخطر داهم هو خطر الأعاصير والجليد، وقد ظهرت آثار عصف الرياح السافية على جدران القصر وقواعده، وقد كانت محفوظة تحت غلاف صفيق من الركام وكانت الأضرار بليغة، ولهذا تنادى المسؤولون في القطر وأصدقاء الآثار في فرنسا لحماية معالم ماري، وأقيمت فعلًا مظلة لدنة (بلاستيكية) واسعة لهذه الغاية، ومن المقرر أن يجري توسيعها أيضًا لحماية أكبر قدر ممكن من الآثار المكتشفة.
ويرى العلماء أن الثروة الكبرى في ماري هي الوثائق التاريخية المكتوبة بالخط المسماري على اللوحات الطينية المجففة، وقد سميت بالسجلات الملكية، ويقارب عددها خمسة وعشرين ألف لوحة ظهرت في قاعتين من قصر (زيمري ليم) بصورة خاصة، أو مرتبة داخل الخزائن الجدارية أو ملقاة صفوفًا على (أرضيات) القصر.
وتولى ترجمة هذا العدد الضخم من النصوص المسمارية فريق فرنسي- بلجيكي برئاسة الأستاذ جورج دوسان، ولا يزال هذا الفريق يتابع مهمته هذه منذ أربعين عامًا نشر خلالها أربعة عشر مجلدًا من المعلومات الواردة في النصوص، ويؤكد (بارو) أن هذا العمل سيستمر حتى النهاية مهما تطلب من الوقت لاستثمار (هذا المنجم الثمين) في تجديد تاريخ"الشرق الأدنى القديم"وجغرافيته.
من خلال هذه اللوحات برز عالم حقيقي من الشخصيات يتحرك على مسرح التاريخ بحيوية، ويؤلف مجتمعًا متكاملًا من الفئات القيادية والفعاليات وهياكل الحكم. فنرى الملوك الأكاديين والسومريين والبابليين والآشوريين والحوريين بأسمائهم وألقابهم، وهم يقودون الجيوش ويمارسون الأعمال الحربية والمناورات السياسية، وحولهم عناصر الهرم الأخرى من الكهنة والوكلاء والضباط والمفتشين والسفراء. وعلى دائرة أوسع نجد الأطباء والعرافين والمرتلين والموسيقيين، بل نحن نصل أيضًا إلى النجارين والخبازين وحتى الرعاة في المراسلات التي تتصل بوقائع الحياة اليومية.