ويناقش الغزالي رأي المعتزلة ليبطل دعواهم في كون الحسن والقبح وصفًا ذاتيًا للأشياء بدل أن يكون إضافيًا. ويقرر أن مثار الغلط في ثلاث نقاط يخطئ الوهم فيها: الأولى أن الإنسان يطلق اسم القبح على ما يخالف غرضه وإن كان يوافق غرض غيره من حيث أنه لا يلتفت إلى الغير. ثم أنه قد يستحسن في بعض الأحوال عين ما يستقبحه إذا اختلف غرضه. الثانية أن الحكم قد يخالف الغرض في جميع الأحوال ما عدا حالة واحدة نادرة ولا يلتفت الوهم إلى تلك الحالة النادرة فيغفل عنها فيقضي بالحكم مطلقًا لاستيلاء أحوال قبحه على قلبه وذهاب الحال النادرة عن ذكره. الثالثة ما يدعوه"سبق الوهم إلى العكس، فإن ما يراه مقرونًا بالشيء يظن أن الشيء أيضًا مقرون به مطلقًا ولا يدري أن الأخص أبدًا مقرون بالأعم، والأعم لا يلزم أن يكون مقرونًا بالأخص. ومثاله نفرة السليم وهو الذي نهشته الحية عن الحبل المبرقش اللون لأنه وجد الأذى مقرونًا بهذه الصورة فتوهم أن هذه الصورة مقرونة بالأذى"ذلك"أنه لما رأى الأذى مقرونًا بصورة الحبل وطبعه ينفر عن الأذى فنفر عن المقرون بالأذى. فالمقرون باللذيذ لذيذ والمقرون بالمكروه مكروه. بل الإنسان إذا جالس من عشقه في مكان فإذا انتهى إليه أحس في نفسه تفرقة بين ذلك المكان وغيره. ولذلك قال الشاعر: ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا"
أمر على الديار ديار ليلى
وما تلك الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
وقال ابن الرومي منبهًا على سبب حب الأوطان: ... مآرب قضاها الشباب هنالكا
وحبب أوطان الرجال إليهم
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
وشواهد ذلك مما يكثر. وكل ذلك من حكم الوهم". وينتهي مؤلف المستصفى إلى أن الأشياء ليس لها حسن ذاتي ولا قبح ذاتي وإنما حسنها وقبحها إضافيان بحسب الأحوال. ... أحسن الله خلاصه"