ففيما يتعلق بالرحلات التي قام بها طلاب العلم من أهل الشام خارج بلادهم، يبين الجدول (24) أن هذه الرحلات تناقصت تناقصًا مذهلًا في القرنين الثاني والثالث، ولا يمكننا تفسير ذلك بأن الشام وصلت- علميًا- إلى حالة من الاكتفاء الذاتي جعلتها تستغني عن الأمصار الأخرى، لأن الفعاليات التربوية- كما رأينا- تراجعت إلى حد كبير في القرن الثالث. والأصح أن يفسر ذلك باشتغال أهل الشام عن طلب العلم بالضائقة الاقتصادية والاضطرابات الداخلية التي عانوا منها في تلك الفترة، بالإضافة إلى فقدانهم المراكز الكبرى في الدولة، التي كان يحصل عليها أولو العلم منهم في العصر الأموي.
ويبين لنا الجدول (25) أن معظم رحلات أهل الشام اتجه في القرن الأول إلى الجزيرة العربية ولا سيما إلى مدينة الرسول. ولكن عدد الطلاب الذين اتجهوا إلى العراق ازداد في القرنين الثاني والثالث باطراد، كما ازداد في القرن الثالث عدد الذين اتجهوا إلى مصر.
أما رحلات طلاب الأقطار الإسلامية الأخرى إلى الشام فقد تطورت في اتجاه معاكس.
كانت هذه الرحلات قليلة في القرن الأول، ولكنها تضاعفت في القرن الثاني، وازدادت زيادة هائلة في القرن الثالث كما يظهر في الجدول (24) أيضًا.
وتبين المعلومات الكمية المستخلصة من"تاريخ مدينة دمشق"تفاوت الأقطار الإسلامية آنذاك في درجة اندفاعها لطلب العلم، كما يظهر في الجدول (26) .
لقد تضاءل عدد الطلاب القادمين من الجزيرة العربية بصورة واضحة في القرن الثالث، بينما ارتفع عدد القادمين من العراق والمشرق، وبدرجة أقل من مصر.