كان علماء الأقطار العربية والإسلامية يزورون الشام لأغراض متعددة كالوفود على الخلفاء، والمشاركة في الجهاد والرباط، والقيام بأعمال تجارية، والتعليم أو طلب العلم. ولكن الجميع كانوا يساهمون في الفعاليات التربوية، في القصر الذي يزورونه، أو المسجد الذي يؤمونه، أو المجالس التي يرتادونها.
وقد كانت الأغراض السياسية غالبة في القرن الأول، ولكن الأغراض التربوية تقدمت بصورة ملحوظة في القرن الثاني، وأصبحت هي الغالبة في القرن الثالث، كما يظهر من الجدول (23) .
أما توزع هؤلاء الزائرين على الأمصار الإسلامية فيظهر من خلال الجدول (23) ، وهو يبين أن أكثر هذه الأمصار تأثيرًا في ثقافة الشام في القرن الأول هو شبه جزيرة العرب، بمركزيها الكبيرين: المدينة ومكة. ولكن العراق والمشرق الإسلامي احتلا مكان الصدارة في القرن الثالث، كما برز أثر مصر بشكل واضح. أما تأثير الجزيرة العربية فقد تراجع إلى حد بعيد.
ثامنًا- الرحلة في طلب العلم من الشام وإليها:
إن السمة الرئيسة للثقافة العربية الإسلامية، خلال عصورها الزاهرة، هي التنوع ضمن الوحدة.
كانت منجزات الفئات القومية والمناطق الجغرافية المتعددة تصب في جدول واحد نتيجة التبادل المستمر بين مختلف أجزاء الدولة الإسلامية.
وعندما كان أحد أجزاء هذه الدولة يتوقف، جزئيًا أو كليًا، عن التبادل كانت ثقافته الخاصة تضمر وتتخلف، وكانت منجزاته تقل بصورة واضحة.
وتتضح هذه الحقيقة لدى مقابلة تطور الرحلات في طلب العلوم الدينية من الشام وإليها خلال القرون الثلاثة. و"تاريخ مدينة دمشق"يقدم معلومات قيمة في هذا المجال.