قيل: إن تلك المرأة لما سمعت ما قاله زوجها الأول ضربت يدها على منكب زوجها الثاني وقالت:"هذا ومِذقة خيرٌ"، والمذقة الشربة من اللبن الكثير الماء تعني أن هذا الزوج مع عدم اللبن خير من الأول. فذهبت كلمتاهما مثلًا يضرب الأول لمن يطلب شيئًا قد فوته على نفسه كما ذكرنا آنفًا ويضرب الثاني لمن قنع باليسير إذا لم يجد الخطير، كما جاء في مجمع أمثال الميداني.
والحاصل أن المثل كلام استعمل في مضربه بعد تشبيهه بمورده. فمضربه ما استعمل فيه الكلام الآن ومورده ما استعمل فيه الكلام أولًا.
والغالب على مرسل المثل صفة البلاغة وإحكام القول. وسيد البلغاء الرسول صلوات الله عليه فكلامه جوامع الكلم. ومما سار من كلامه مثلًا قوله:"إن من البيان لسحرًا"، قاله النبي حين وفد عليه عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم فسأل عليه الصلاة والسلام عمرو بن الأهتم عن الزبرقان فقال عمرو: مطاع في أدنَيْهِ شديد العارضة مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: يا رسول الله: إنه ليعلم مني أكثر من هذا ولكنه حسدني. فقال عمرو: أما والله إنه لزمر المروءة ضيق العطن أحمق الوالد لئيم الخال، والله يا رسول الله ما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الأخرى. ولكني رجل رضيت فقلت أحسن ما علمت، وسخطت فقلت أقبح ما وجدت. فقال عليه الصلاة والسلام: إن من البيان لسحرًا. يعني أن بعض البيان يعمل عمل السحر. ومعنى السحر إظهار الباطل في صورة الحق. والبيان اجتماع الفصاحة والبلاغة وذكاء القلب مع اللسن. وإنما شبه بالسحر لحدة عمله في سامعه وسرعة قبول القلب له. يضرب في استحسان المنطق وإيراد الحجة البالغة كما جاء في مجمع الأمثال للميداني.