بل ما هو مدى اهتمام الجامعات والمعاهد والمؤسسات والوزارات المختلفة بالذات عمومًا؟ وماذا فعلت له؟ وهل أعدت له الأطر اللازمة.. التي تستطيع حفظ هذه المخطوطات وتصنيفها وتبويبها وتصويرها ووضعها بين أيدي الباحثين.. والطلبة. والعلماء؟ وهل أُعد الطلبة في الكليات المختلفة لمثل هذه الرسالة: التي أصبحت ضرورية من وجهة النظر العلمية أو التاريخية أو القومية أو إنسانية..؟
لا أظن أني مضطر أن أكلف نفسي عناء الإجابة عن هذه الأسئلة ولا أظن أن أحدًا يجد نفسه مدعوًا للإجابة عنها. لأن الجواب عنها جميعًا يظل واضحًا.. ومؤسفًا.. باتفاق الجميع. ولكن النتيجة التي يمكن أن نخلص إليها هي التالية.. أنه على الرغم من قلة ما اكتشف في القرن الأخير في حقل تاريخ الطب من معلمات.. فقد أصبح كتاب لوكلير مثلًا، قديمًا. وأصبحت قيمته تاريخية.. وإن معلوماتنا اليوم قد تجاوزته كثيرًا.. كل هذا على الرغم من أنه لم تقم المؤسسات بواجبها في كشف هذه الكنوز الضرورية لإلقاء ضوء كاف على حقيقة الأمور. وعلى الرغم من أن الأفراد.. كانت جهودهم في الغالب فردية.. وكانت اهتماماتهم ترزح تحت نير التضحيات الشخصية، وكان انصرافهم في غالب الأمر جزئيًا، وعلى الرغم من قلة عدد المهتمين.
وربما كان من المفيد أن أعطي مثلًا آخر.. فكتاب بروكلمان الشهير الذي كان معجزة في عصره. ألم يكن صاحبه مضطرًا إلى أن يكتب له ذيلًا في حجم يزيد عن حجم الكتاب الأصلي.. هذا في حياة بروكلمان أما الآن وبعد ظهور كتاب سزكين.. ألا نرى مدى التجاوز الذي حققه سزكين في كتابه. ألا نلمس الفرق النوعي بين الكتابين؟
ومثل أخير.. في تاريخ الرياضيات عند العرب. هل تصلح الأحكام، التي كانت تطلق على مستوى ارتقاء الرياضيات العربية قبل عشرة أعوام، إذا قلناها اليوم بعد اكتشاف الأستاذ رشدي راشد في هذا الحقل؟