إن اطلاع المؤلفين الغربيين ومؤرخي العلوم الأوروبيين والمستشرقين على التراث العربي الطبي جاء من أحد طريقين.. إما قراءتهم للمصادر العربية التي تطرقت إلى موضوع تاريخ الطب العربي وتراجم الأطباء العرب. وإما اطلاعهم على بعض الكتب الطبية العربية على شكل مخطوطات.. وقعت صدفة في أيدي بعض الأطباء الأوروبيين وذلك في بداية الأمر.. ثم ازداد اهتمام الغربيين بالتراث العلمي العربي فأصبحوا يبحثون عن المخطوطات من مختلف المكتبات كما أصبحوا يترجمون كتب المراجع التي تعنيهم.
ولعل البداية ليست بعيدة عنا كثيرًا. ولا أراني مضطرًا إلى ذكر أكثر من ممثلين اثنين للكتاب الذين جاؤوا في الطليعة.. فوستنفلد، ولوكلين.. لكي أدلل على أن الأبحاث الجادة كانت في الثلث الثاني من القرن الماضي. وإن نظرة بسيطة إلى كتابي هذين الرائدين الكبيرين في حقل تاريخ الطب العربي ترينا اليوم كيف تجاوزت المعرفة ما كتبه هذان الرجلان العظيمان تجاوزًا ملحوظًا.
وإذا كان هذا من طبيعة الأمور.. أفلا يحق لي أن أتساءل.. إلى أي مدى أصبحت كنوز المخطوطات الطبية العربية متوفرة للباحثين؟
وما هو عدد الباحثين: من مؤرخين وأطباء.. الذين ينصرفون فعلًا إلى هذا العمل المهم: وهو تحقيق ودراسة هذه الثورة الهائلة؟
وإذا توفر لنا البعض.. ألا يحق لي أن أسأل.. ما هو مدى تفرغ هؤلاء للبحث الجاد..؟ وما هي نسبة المحققين المدربين والمنصرفين إلى التحقيق؟ وما هي نسبة الهواة؟ هواة الإطلاع على هذه المخطوطات ودراستها؟ دراسة الهاوي وليس دراسة المحقق وإذا توفر فعلًا بعض الراغبين في الدراسة الحقة.. فهل أتاحت جامعاتنا ومعاهدنا ومؤسساتنا المعنية لهؤلاء فرصة التفرغ الحق. والانصراف الجدي إلى هذا العمل؟