ولا ريب في أن كتاب التيسير بترجماته العبرية واللاتينية أحدث أعمق الأثر في تطور الطب خلال القرون الوسطى التي كان فيها الطب الأوروبي لا يزال عاجزًا عن التحليق بجناحيه. ويجمع مؤرخو الطب العربي أن كتاب التيسير يعد في مرتبة أعظم الكتب العربية التي عرفت في تاريخ الطب. وأكد المؤرخ الفرنسي لوكلير أن كتاب التيسير لا يقل شأنه عن كتاب الحاوي للرازي والقانون لابن سينا وذلك من شأنه أن يجعل ابن زهر في مرتبة هذين الطبيبين اللذين نبغا في مشرق الدولة العربية الإسلامية. وكفى الطب العربي فخرًا أن كتاب التيسير بترجمته اللاتينية بقي حتى القرن الثامن عشر أحد الكتب التي كانت تدرس في مراكز الطب الشهيرة في أوروبا الغربية نظير جامعتي لوفان Louvain ومونبليه Montpellier.
ويتألف كتاب التيسير من سِفرين اثنين ومن ملحق بهما سماه ابن زهر بالجامع. ومبدأ السفر الأول من الكتاب بمقدمة وجيزة ذكر فيها ابن زهر أنه أجبر على إلحاق كتابه بالجامع نزولًا عند رغبة أحد الأمراء (هو الأمير المرابطي صاحب اشبيلية) فقد أراد هذا الأمير أن يكون لديه كتاب يشتمل على صبغ الأدوية المركبة التي كان يستعملها ابن زهر في العلاج، وقد أشار ابن زهر إلى ذلك في مقدمة كتاب التيسير فقال ما يلي: ولقد دخل في خلال وضعي له من كان كالموكل علي فيه فلم يرضه مني ذلك وقال إن الانتفاع به لمن لم يحذق شيئًا من أعمال الطب بعيد وأنه ليس على ما أمر به ولا على غرض مما يريد. فذيلته حينئذ بجزء منحط الرتبة سميته بالجامع، ألفته مضطرًا وخرجت فيه عن الطريقة المثلى كارهًا ووضعته بحيث لا يخفى على المريض ولا على من حول المريض"."
السفر الأول من كتاب التيسير
يبدأ ابن زهر السفر الأول من كتابه، وهو أطول السفرين، بفصل قصير في حفظ الصحة فيقول في أول هذا الفصل: