فهرس الكتاب

الصفحة 3384 من 23694

وتفسير ذلك، أن الرأي الاجتهادي، أنّ في تفهم معنى النص، أو تعليله، أو استنباط كافة معانيه وأحكامه ودقائقه، وما يستشرفه من أغراض، أو في تحقيق"مناطه"تطبيقًا على النوازل المتجددة في الواقع المعاش، بظروفه المحتفة، أقول هذا الرأي الاجتهادي الذي انتهى إليه المفسر المجتهد هو"عين الحق"في نظره، إذ المفروض أنه قد بذل أقصى وسعه العلمي في سبيل تحصيله والوصول إليه، بحثًا واستدلالًا علميًا أصوليًا، فلا يكون ملزمًا لأحد سواه من المجتهدين، لأنه هو"الحق"في معتقده هو، أو الغالب على ظنه، أنه كذلك، وليس بعد الحق إلا الضلال، لكنه - في الوقت نفسه - مجرد تقليد بالنسبة إلى غيره ممن لم يجتهد فيه، والتقليد - بما هو محاكاة، أو قول مردد مكرور بالنسبة إلى عالم مجتهد غيره - منهيٌ عنه شرعًا، لأن هذا الغير متمكن من الاجتهاد بطرقه ووسائله، وهذا ما انعقد عليه الإجماع (126) بالنسبة إلى مجتهدي الصحابة بوجه خاص، بعضهم قِبَلَ بعض، فرأي الصحابة إذن ليس حجة، ولا ملزمًا لصحابي مثله إجماعًا، إذا كانا مجتهدين، وتناولا المسألة عينها بالبحث والاجتهاد، إذ كلٌ ملزمٌ بما أدى إليه اجتهاده الذي هو"عين الحق"بالنسبة إليه كما قدمنا، ولا نعلم في هذا الأمر خلافًا، بل هو ما نصَّ عليه الأصوليون في مواضع عدة من موسوعاتهم، فالآمدي، في كتابه الأحكام -على سبيل المثال- يقول ما نصه في هذا الصدد:"اتفق الكل على أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد، لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، إمامًا كان أو حاكمًا، أو مفتيًا" (127) وهذا هو رأي الإمام الشافعي الذي انتهى إليه في مذهبه الجديد (128) .

هذا، وإذا لم يكن رأي الصحابي ملزمًا لغيره من مجتَهَدة الصحابة، فلا يكون ملزمًا كذلك لأحد من العلماء والمجتهدين في الأجيال المتعاقبة من التابعين ومن يليهم، إذ الدليل هو الدليل، والفرقُ تحكُّم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت