ونعرف من التاريخ أن قمع حرية الفكر والحرية جملة، بدأ مع الأمويين، بدرجات تزيد أو تنقص، تبعًا لشخصية الخليفة. ولا شك أن معاوية حرص على الحد الأدنى من الشورى، بدعوته وفودًا من مختلف الأقاليم، لاستشارتهم فيمن سيكون خليفة بعده. إلا أنه في الواقع لم يدع إلا أولئك الذين كانوا يعرفون سلفًا رغبة الخليفة في ابنه يزيد، فتخلوا عن كل تفكير حر، وتملقوا، ومالؤوا، وسايروا، وأمعنوا في تأييد رأي الخليفة، المضمر، وكأنما هم أشد حماسة منه، حتى لكأنهم هم مبتكروه وأصحابه، كالمغيرة ابن شعبة. وعندما علم معاوية بمقالة عبد الرحمن بن أبي بكر:"أردتم لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية، كلما مات هرقل قام هرقل آخر"وعلم أن الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ينكرون هذا الاختيار، وسمع الأحنف بن قيس يخاطبه بقوله: نخافكم إن صدقنا (3) ، ونخاف الله إن كذبنا (4) ، لم يذهل عن الذهاب إلى مكة للاجتماع بالمعارضين، وليقيم على رأس كل منهم رجلين، مع كل واحد سيف، حتى إذا خطب هو بالناس، داعيًا إلى بيعة يزيد، لم يجرؤ واحد منهم على المعارضة، وتكون الصورة الشكلية لحرية الفكر قد تحققت، في الظاهر ولكنها أبطلت في الواقع. ولئن ابتدع معاوية هذه الصورة الشكلية في الشورى، فإنه، على ذلك، لم يزد على أن أنشأ مدرسة تعلم بها الكثيرون دَرْسَه هذا، وما زالوا على نهجه يسيرون. وما أشبه الليلة بالبارحة!
ومنذ ذلك الحين حلّت إرادة السلطة محل إرادة الشعب، وأصبحت حرية القوة، بديلًا عن حرية الفكر. ولكن ما أغلى الثمن الذي دفعته الأمة، لقاء ذلك، في ثورات المختار الثقفي، وعبد الله بن الزبير، والخوارج في شيعهم المختلفة، مما هو مشهور ومعروف.