ولا شك أن أوضح برهان على العمل برأي الناس، هو ما لجأ إليه عمر، عندما اختلف الأمر حول توزيع أراضي السواد (العراق المفتوحة) وانقسم الصحابة قسمين، أحدهما يرى رأي عمر في حبسها على المقاتلة والنفقات العامة، وقسم آخر يرى اقتسامها تبعًا لحكم الإسلام في الغنائم في ذلك الحين عمد عمر إلى تعيين لجنة تحكيم لتبت في الأمر، فبتت فيه على نحو ما رأى عمر الذي لم يلبث أن رأى في نصوص القرآن ما يدعم رأيه. وكان واضحًا أن مقتضيات المصلحة العامة هي التي جعلت الخليفة ينحاز إلى وقف خراج الأرض المفتوحة على حاجات المسلمين العامة.
وربما وجدنا في تفاصيل الأحداث ما يعيننا على ملاحظة المستوى العالي لحرية الرأي أيام عمر. فهو لا يرى أنه لا خير في أمر من غير شورى، فحسب، بل لعله لا يرى بأسًا في أن يعود إلى الحق فيلزمه إذا ما نُبّه عليه. ذلك أنه.. لاحظ غلاء المهور على سبيل المثال، وحث على الاقتصاد فيها، وانبرت امرأة من أقصى المسجد تذكره بقول الله تعالى: ?وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا? فقال: أصابت امرأة، وأخطأ عمر.
وقل مثل ذلك في عثمان الذي تلقى وفود الأمصار التي جاءت للتحقيق معه في أمور أنكرت عليه، فلم يكن منه إلا أن خضع للتحقيق ودافع عن نفسه بالتي هي أحسن، ورفض استخدام القوة لدفع المحتجين عليه.
وما سلوك علي رضي الله عنه في السماح لمن كان يشايع معاوية في رأيه، بالانضمام إليه، إلا صورة أخرى مفرطة المثالية لحرية التعبير، كما فهم الخلفاء وصحابة رسول الله الأولون، غير أن حرية التعبير هنا مضافة إلى حرية التصرف، أي أن الرجل، من أصحاب علي، لا يقول كلمة هي:"أن معاوية على حق. بل يباح له أن يلحق به. ولا نعرف في العالم كله دولة، قديمة أو حديثة، استطاعت أن تصل بحرية الفرد إلى مثل هذه الحدود."
3-تطور حرية الفكر بعد عهد الراشدين