ولقد اختص القرآن الكريم -المصدر الأول للتشريع- بميزة لها شأنها حين زودت نصوصه بكثير من عوامل الخصب والسعة، فتنوعت الطرق التي تدل بها على الأحكام، وحللت بكثير من تعليلات الأحكام على نحو يوحي بأن الأحكام مرتبطة بها، ويسمح بالقياس عليها.
وإذا كانت أحكام العبادات تعتمد على النصوص، لأنها ثابتة غير متغيرة، ولأن بعضها تعبدي غير معقول المعنى، فإن النصوص اقتصرت في المعاملات على الأحكام الأساسية، التي تصلح لكل جماعة، في كل مكان، وفي كل زمن، ثم قررت كثيرًا من المبادئ العامة التي يمكن تشريع الأحكام على ضوئها، وهكذا فإن أكثر ما شرع من أحكام المعاملات قد بني على الاجتهاد، بما لا يخرج عن النصوص، وبما يكفل مصالح الناس، وييسر الحياة لهم.
وميزة الخصب والسعة في القرآن الكريم -وإن كانت مظهر غنى فيه- كانت هي نفسها دعوة إلى الاجتهاد، وحثًا عليه.
وكانت هناك دعوة أخرى إلى الاجتهاد تلح في توجيهها، وهي ضرورة مسايرة الشريعة لحاجات الناس، واتساعها لجميع هذه الحاجات.
وإذا ذكرنا أن شريعة الله شاملة وخالدة، وأن الحياة متجددة أدركنا أن الاجتهاد ضرورة لا بد منها، وأن الحاجة إليه باقية ما بقيت الحياة.
ومن هنا لم يكن ممكنًا أن تجمد الشريعة الإسلامية عند النصوص، ولا أن تقف عند مفهوم واحد لكل نص، فإن النصوص نفسها تدعو إلى الاجتهاد، وتعد بالثواب عليه، حتى حين ينتهي إلى الخطأ متى تحققت شروطه.
ولهذا نستطيع أن نقرر في ثقة ويقين أن الأمة الإسلامية مطالبة بالاجتهاد، وإننا لنردد اليوم ما قاله سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام المتوفى عام 660هـ:"إن وقعت حادثة غير منصوصة، أو فيها خلاف بين السلف، فلا بد فيها من الاجتهاد، من كتاب أو سنة، وما يقول سوى هذا إلا صاحب هذيان".
وهكذا فالاجتهاد مصدر خصب للأحكام يجب أن لا يخلو منه عصر من عصور المسلمين، بشرط توفر شروط الاجتهاد في المجتهدين مما سيأتي بيانه.