وحكى الراغب في المحاضرات (4/507) عن خالد بن صفوان قوله (صبرك في مصيبتك أحمد من جزعك، وجزعك في مصيبة أخيك أحمد من صبرك) . وانظر إلى قول هشام بن عقبة العدوي: فلم تُنسني أوفى، المعيباتُ بعده: ولكن نكء القَرْح بالقرح أوجع قال المرزوقي (795) : (ونبه بهذا الكلام على أن الجزع بأوفى لم يُزله ما تعقبه من المصائب ولكنه زاده اشتدادًا) ، وأردف: (فالهلع بموت أوفى وقد أمد بمصاب آخر يكون أتم وأكمل) . وفي موضع آخر (800) : (ففيه دلالة على تمكن الجزع بالمصاب من كافة الناس) .
فيستبين بما قدمنا أنه إذا حرص الكاتب أن يتحامى الخطأ في تصريف حروف الجر، فتبرأ كتابته من الطعن وتخلو من الخطل وتحفظ دون الابتذال، فلا يغنيه العودة إلى المعجم ليحتوي نصّه فيقف منه على وجه الصواب في استعمال هذه الحروف مع الأفعال، ولو كان ذلك أسهل مأتى وأقرب مأخذًا. إذ لابد له من الإحاطة بمعاني هذه الحروف فيما فصّلته كتب النحو ومختلف المظان، ومولاة قراءة نصوص الأدب نثرًا وشعرًا بغية الاطلاع، بالاستقراء، على مصارف الحروف في تحقيق ما يتسع له الفعل من دلالات، وما يتجه إليه من قصود، فيتعرف مواقعها ويتبين قواعدها ويتميز مسالكها، فيكون من ذلك على رشد، ويقبس منه باحتياط. ولا يصرفه اعتياد نهج أو إلف أسلوب عن تدبره استجلاء وجه صحته.
وليس للكاتب، بعد هذا، أن يجزم في ذلك حكمًا، حتى يضع يده على دليل تسعفه رواية وتشهد له دراية. فقد رأيت أن ما صرفنا القول فيه قد رفدناه بالحجة وعززناه بالبينة، ولا يقعد بالقارئ عن استشفاف ما تضمنه هذا الفصل أنه ليس سلس المطلب، داني المنال في كل وجه. فالعلم سهل وعويص، وذلول وجموح، وهو لا يدرك إلا بمواصلة البحث والموازنة والمكايلة، وإن طال نفس المهلة في تحصيله، واستفراع الوسع في السعي له، والله الموفق للصواب.
[1] فاته الشيء يفوته، وأفاته إياه غيره.
[2] رمى بأوراقه على الدابة: ركبها وعلاها.