إن كثيرًا من الآيات القرآنية تحتوي على تلميحاتٍ فيها عمومياتٌ تتيح للقارئ حريةَ التأمّل والتفكير، وهذا ما يؤكّد أن القرآن ليس كتابَ نظرياتٍ علمية، ولا يجوز ربطُ ما ورد فيه من الإشارات العلمية، بالكشوفات العلمية، كأن"نفصّل لبعض الآيات أثوابًا من الاختراعات الحديثة"حتّى ندلّل فيها سعظمة القرآن، ولكن ذلك لا يمنع من الاستشهاد ببعض الآيات القرآنية التي سبقت زمن الاكتشافات، والمعطيات العلمية المعاصرة.
لقد حضّ القرآن على العلم والمعرفة التي تؤدّي إلى الإيمان، الذي تتفاوت درجته بتفاوت درجة المعرفة: (إنما يخشى الله من عباده العلماءُ(.(فاطر ـ 28) .
وكلٌّ من الإيمان والمعرفة، لا يتأتَّيان إلا بالنظر إلى جلال الخالق من خلال مخلوقاته ـ حيةً وميتةً ـ فالذي يدقّق بإمعانٍ أكثر، هو الذي يرى ويدرك بصورةٍ أدقّ وأعمق، ومن ثمّ فهو الذي يحظى بمرتبةٍ عاليةٍ من العبادة ، لارتكازه على التفكير العلمي وليس على مجرّد الدعاء والتسبيح فحسب.
لقد ألحتِ الآيات العديدة على ضرورة التفكّر والتدبّر: (الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، ويتفكّرون في خلق السموات والأرض(.(آل عمران ـ 191) لذا كان التفكير في صنع الله ـ إضافة إلى أنه عبادة ـ دعوةً لإعمال العقل، بغية الاستفادة من بديع صنع الخالق، والاشتغالِ بالبحث العلمي الذي يُمكّن من إدراك كنهِ بعض الأسرار الرائعة، التي يتوصّل إليها رجل العلم، قبل المتفقّه في الدين"ومن هنا قد يتجلّى لرجل العلم المغزى العظيم عندما يقرأ بإمعان (ربنا ما خلقت هذا باطلًا. سبحانك(.(آل عمران ـ 191) ومعنى الباطل: هو كل شيء لا يقوم على أساسٍ، ونحن لا نعرف عن طريق العلم التجريبي شيئًا في الكون قد قام على غير أساسٍ، من أول الذرة إلى السموات.. فلكل قوانينها العظيمة المتقنة، التي تاهت في أسرارها أعظم العقول""لو كنتم تعلمون" (3) .