أولها ـ أن هناك فارقًا كبيرًا بين موقف علي وموقف عثمان، فعثمان عظمت منه الشكوى، فلو اعتزل استقامت الأمور، أما علي فلم يحتجّ عليه أحد بخطيئة أو ميل حكم أو جور أو أَثَرة، حتى الذين كرهوا بيعته، استتروا بالمطالبة بدم عثمان، أي أعلنوا: أن خصومهم قتلة عثمان، لا علي، فلو اعتزل علي لكان الشر أعم.
ثانيها ـ لو طالبنا كل إمام أن يعتزل الحكم كلما كره إمامته كاره، ما انقضت ساعة إلا نصب فيها حاكم جديد.
ثالثها ـ تشبيه حجة الإمام علي هنا بدعوى دول الاستعمار أبعد عن الحق وأنأى عن الواقع، فهذه الدول مبطلة تدعي باطلًا لتبرر ظلمًا، والإمام علي صاحب حق حتى يقوم بالواجب عليه، فهو يحتج ببيعة واقعة وأمر لزمه، يقتضيه النهوض والحماية ليعم الأمن والعدل، وشتان مابين الحالتين!!..
وحتى عزله عمال عثمان كان على حق في عزلهم لما عرف عنهم من أخطاء، ولا يجوز له ـ في دينه وأمانته ـ إبقاؤهم ولو ساعة إلا من قبيل ارتكاب أخف الضررين، وهذا هو الذي لم يأخذ به علي، فمؤاخذته سياسية لا قضائية وجدانية(14(.
مساعي الصلح بين الفريقين:
حدثت مراسلات وسفارات وحوارات وكتب بين معسكر عائشة زعيمة الجموع المعارضة الثائرة قريبًا من البصرة، وبين أهل البصرة التي كان عثمان بن حنيف أميرها لعلي، ولكنها لم تسفر عن شيء عملي، وحدث اقتتال شديد بين أصحاب الجمل وأهل البصرة، ثم أبرم صلح بين
الفريقين(15(، وما أجدر ما قال جارية بن قدامة السعدي من البصرة الذي أقبل على السيدة عائشة كما ذكر الطبري:
"يا أم المؤمنين، والله لقتل عثمان بن عفان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح، إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة، فهتكتِ سترًا، وأبحتِ حرمتك، إنه من رأى قتالك فإنه يرى قتلك، إن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتنا مستكرهة فاستعيني بالناس".
وانتقضت المناوشة بالمِرْبَد(16( وهي المسماة بيوم الجمل الأصغر(17(.