لكن الأستاذ الأفغاني شكك في هذا الخبر، لتهافت ظاهر فيه يستبعد معه التصديق، ورواية ابن أبي الحديد والمسعودي له رواية من حاقدَيْن متعصبين صاحبَيْ هوى ضد عائشة. والحديث مذكور في كتب أخرى كالاستيعاب لابن عبد البر وسير النبلاء للذهبي، ومسند الإمام أ حمد ولفظه في مخاطبة أمهات المؤمنين:"كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوءب"أو"أيتكن صاحبة الجمل الأدْبب(11( يقتل حولها قتلى كثيرون، وتنجو بعد ما كادت". قال الأفغاني:"في النفس من صحة هذا الحديث شيء، ولأمر ما أهمله أصحاب الصحاح". ولو كان هذا الخبر صحيحًا لرجعت عائشة من فورها، فليست بالتي تلقي بنفسها في التهلكة على بصيرة، وسند الذهبي في هذا الحديث ينتهي ـ في إحدى رواياته ـ إلى ابن عباس، وابن عباس ـ أي إن صح النقل عنه، على عدالته ـ ممن خبَّ وأوضع في الحزبية السياسية، فهو أكبر أنصار علي وألد خصوم عائشة في خلافها عليه(12(.
وهذا نقد علمي للمتن والسند بحسب قواعد التحديث، يدل على عقلية نيرة عند الأفغاني.
لحاق علي بأصحاب الجمل:
عدل الإمام علي عن غزو الشام، حينما هاج أهل مكة للمطالبة بثأر عثمان بتحريض عائشة وطلحة والزبير، واتجه لملاقاة أصحاب الجمل القادمين إلى البصرة، قائلًا بمقالة عثمان:"لا أخلع لباسًا ألبسنيه الله ("وعقب عليه الشيخ عبد الوهاب النجار بقوله(13(:"وهو اعتذار لا يقبله من يريد له وللمسلمين السلامة، أو هو مثل اعتذار دول الاستعمار، بأنه لا مناص لهم من التبعة الملقاة على عاتقهم بإزاء الأمم التي يحتلون بلادها، ويهيمنون عليها، وعلى مرافقها ومقومات حياتها دون أهلها"لقد ردَّ المرحوم الأفغاني على هذا قائلًا: ليس حكم هذا بسديد من وجوه وهي بإيجاز: