لقد فطن المقّري لأهمية المكان، فبدأ في الباب الأول من القسم الأول من كتابه بالحديث عن جغرافية بلاد الأندلس، وحاول تحديد اسمها ووصف خصائص مناخها، كما ذكرَ مدنها وبعض مميزات سكانها، كتوطئة لما سيقوله فيما بعد.
وهكذا أعطى المقري الجغرافيا حقها في كتابه، بإعطائنا صورة عن مدن الأندلس وسكانها، اعتمادًا على أقوال مؤرخين وكتاب سبقوه في أغلب الأحوال.
وقد ألف المقري كتابه هذا، وهو في القاهرة، مغتربًا عن بلده تلمسان، فوجد في ذلك التفرغ للكتابة تزجيةً للوقت. كما أنه وجد في جغرافية وتاريخ الأندلس تذكيرًا ببلده وماضيه، واستعادة لذكريات"روايات مهاجري الأندلس إلى بلده تلمسان عما لحقهم بوطنهم، وما أصابهم في دينهم، إثر عملية الطرد الكبرى على عهد الملك الإسباني فيليب الثاني سنة (1609م"( [26] ) ـ 1016هـ) حيث كان موجودًا ـ آنذاك ـ بتلمسان بعد عودته من المغرب الأقصى (1602 ـ 1612م) .
وهكذا أصبح كتابه:"نفح الطيب"من أبرز المراجع المكتوبة حول الأندلس، لقرب صاحبه ـ زمنيًا ـ من آخر وقائع تلك البلاد ودرايته بتاريخها. فقد قضى سني حياته الأولى: طفولته وشبابه، متنقلًا بين تلمسان وفاس ومراكش، واطلع على جلّ ما يتعلق بأوضاع المغرب العربي عامة، وعرض لنا كل ما كُتب وألف حول تاريخ تلك البلاد (الأندلس) .