يجري قول السهروردي هذا في معرض حديثه حول المشكلة الأساسية في علم الكلام الإسلامي (القدر) ، وهي إجابة لمن يسأل:"إن كان الكل بالقدر فلماذا العقاب؟"، فالإجابة هي أنه ليس هناك ذات تنتقم لأنك أذنبت -الطبيب -بل جسدك وفق ما كوّن، ووفق فعله بما حوله وانفعاله به قدر على ذاته ما قدر، فأنت كذات واعية تستخدم العقل يبدو لك أن ثمة أمرًا مفروضًا عليك من الخارج، إلا أن جسدك يشعر أنه هو فقط مفروض على نفسه، أو أن المسألة من البداهة بحيث أنها لا تعنيه، وهذا إرهاص جيد للبرغسونية وللمذهب الحيوي الحديث عمومًا.
وضمن بناء القيم على مكونات الوجود نرى الشر (أو عالم الزور والغرور) نتاجًا لقدر من الظلمة على الجناح الأيسر لجبريل"فسقوط الإنسان من الملأ الأعلى كان بفعل شوقه إلى المعرفة [وهذا الشوق في جبلته] لا بنتيجة خروجه على قواعد الأخلاق، ويجب ألا يفهم الخلاص بالتالي على أنه ثواب أخلاقي، بل بناء كينوني للمعرفة الروحية" ( [61] ) .
بإيجاز"موضوعات الأخلاق تستحيل عنده إلى أبحاث أنطلوجية" ( [62] ) ، ومثل هذه النظرة إلى القيم تحضر بقوة عند الحلاج، فبعد حوار طويل بين موسى وإبليس في مسألة رفض الأخير السجود لآدم، يؤكد إبليس باعتزاز أن الفتوة كقيمة عليا هي التي منعته من السجود، ولكنه في إجابته لله الذي يدرك جميع حقائق الوجود بتعليل أنطلوجي وهو أن النار والطين ضدان لا يتوافقان ( [63] ) ، ويجيب أيضًا:"خلقتني من نار والنار ترجع إلى النار" ( [64] ) ، فالرفض الأخلاقي ليس إلا مظهرًا لعلة أنطلوجية عميقة، وهي أن إبليس مخلوق من النار، والعناصر ترجع إلى منبعها، فلا بد أن يعود إلى النار.