فهرس الكتاب

الصفحة 14768 من 23694

ولابد من الإشارة هنا إلى ما قمنا به من تتبع لمعاني نونية الششتري استدعاه التأثير الكبير الذي مارسته على التوجه الصوفي السائد في أندلس القرن الثامن بشكل عام. وهو تأثير تبرز معالمه واضحة لدى عدد من مفكري هذه المرحلة، كابن خلدون في كتاب"شفاء السائل"لتهذيب المسائل"، حيث سجل مرونة كبيرة في قراءة جميع أشكال الفكر البشري:"فالطريق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق" ( [7] ) . وكابن الخطيب نفسه، فقد أورد القصيدة بنصها كاملة وعلق عليها، مرتين، إحداهما في الإحاطة ( [8] ) والأخرى في روضة التعريف ( [9] ) ، حيث وصفها بأنها:"غريبةُ المنزع خاملةٌ من بابِ اللسانِ، أشار فيها إلى الأعلام من أهل هذه الطريقة، وكأنها مبنيةٌ على كلام شيخه ابن سبعين" ( [10] ) . ... فمرعىً لغزلانٍ ودير لرهبانِِ"

والواقع إن كتاب"روضة التعريف"لابن الخطيب، لم يكن في حد ذاته إلا تجسيدًا- مع التفصيل- لهذا التصور الششتري. فقد عبر في الغصن الثاني:"غصن المحبينَ وأصنافهم"عن تساهل كبير مع أرباب الملل والأديان الأخرى بشكل يوحي بالتحرر من أحادية المرجعية الدينية الإسلامية، وبإعطاء مشروعية من نوعٍ ما لبعض المذاهب الفكرية غير المقبولة في المنظور الإسلامي. وهو تصور يحيلنا كذلك بشكل مباشر على نظرية وحدة الأديان الشهيرة عند محيي الدين بن عربي الحاتمي في قوله:

لقد صار قلبي قابلًا كل صورةٍ

وبيت لأوثانٍ وكعبةُُ طائفٍ ... وألواحُ توراةٍ ومصحف قرآن

أدينُ بدينِ الحب أنى توجهتْ ... ركائبه فالحب ديني وإيماني ( [11] )

ولعل هذا بالذات ما أثار ضده (ابن الخطيب) المواقف الفقهية الظاهرية التي أفتت بإلحاده (إلى جانب ابن عربي وابن سبعين والششتري) .. تلك الفتوى التي ستفضي إلى الحكم عليه بالإعدام وإحراق جثته بفاس سنة 776هـ.

2)مفهوم المعرفة عند ابن الخطيب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت