ثم إن البحث في إشكالية المعرفة كمفهوم، استدعى بحثًا آخر في شروطها والأطراف المكونة لها، فتشعب الحديث عندهم عن العارف، أصنافه ومراتبه وصفاته وآدابه ومقاماته.. ثم عن المعروف، ماهيته وصفاته وحالاته، ثم أصناف العلوم، وأدوات الإدراك المحيطة به، وحدود مدركاتها من الحق..
من هذا المنطلق، صارت المعرفة من أهم القضايا التي تبناها الصوفية وخصصوا لها حيزًا هامًا من مؤلفاتهم. ولهم فيها مقولات مشهورة منذ الطبقة الأولى من أهل القرن 3و 2هـ، مثل شقيق البلخي (توفي سنة 194هـ) وذي النون المصري (توفي سنة 245هـ) وسهل التستري (توفي سنة 283هـ) وأبي يزيد البسطامي ( توفي سنة 281هـ) وأبي القاسم الجنيد ( توفي سنة 297هـ) . وغيرهم ممن حفلت بهم الرسالة القشيرية ( [2] ) ..
ثم أخذت النظرية تتطور تبعًا لتطور الفكر الصوفي نفسه ككل، فظهرت في شكل جديد مع أبي حامد الغزالي (توفي سنة 505هـ) في:"المنقذ من الضلال"وفي:"كمياء السعادة" ( [3] ) ، ثم مع محيي الدين بن عربي (توفي سنة 638هـ) في:"الفتوحات المكية"و:"فصوص الحكم" ( [4] ) ، وعبد الحق بن سبعين (توفي سنة 669هـ) في:"بد العارف" ( [5] ) وغيرهم من أصحاب مدرسة وحدة الوجود ومدرسة الوحدة المطلقة، الذين طبعوا القضية بدقة فلسفية متناهية ( [6] ) .
وقد عبر أبو الحسن الششتري (610- 669هـ) في نونيته الشهيرة:
أرى طالبًا منا الزيادة لا الحسنى
فطالِبنا مطلوبنا من وجودنا ... نغيبُ به لدى الصعق إذْعَنَّا
عن مرحلة متقدمة من تطور هذه النظرية عمومًا، وفي الأندلس بشكل خاص إذ يصف سيره نحو النور المطلق وما انكشف له خلال ذلك السير من معان وأسرار جعلته يرى الكون وهمًا غير ثابت، فصار بذلك رفض السور (سوى الحق) واجبًا عليه بعد أن محى كل شكوى العقل واعتمد على أصل النور: ... وليس بشيء ثابتٍ هكذا ألفينا
ولم نلفِ كنهَ الكونِ إلا توهمًا
فرفضُ السِّوَى فرض علينا لأننا ... بملةِ محوا لشك والشرك قددِنّا