فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 376

نقف وقفة خاصة أمام ما تخلل آية التحريم من قوله تعالى: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] [1] ، ..

وهي آخر ما نزل من آيات الأحكام في القرآن الكريم،،ليعلن كمال الرسالة، وتمام النعمة، فيحس عمر - رضي اللّه عنه - ببصيرته النافذة وبقلبه الواصل - أن أيام الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الأرض معدودة. فقد أدى الأمانة، وبلغ الرسالة ولم يعد إلا لقاء اللّه. فيبكي - رضوان اللّه عليه - وقد أحس قلبه دنو يوم الفراق.

هذه الكلمات الهائلة ترد ضمن آية موضوعها التحريم والتحليل لبعض الذبائح وفي سياق السورة التي تضم تلك الأغراض التي أسلفنا بيانها .. ما دلالة هذا؟ إن بعض دلالته أن شريعة اللّه كل لا يتجزأ. كل متكامل. سواء فيه ما يختص بالتصور والاعتقاد وما يختص

(1) - عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَةً فِي كِتَابِكُمْ لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ، لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ هِيَ؟ قَالَ: قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ إِنَّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَالسَّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ. مسند أحمد ط الرسالة [1/ 320] (188) صحيح

وعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَتِ الْيَهُودُ لِعُمَرَ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَةً لَوْ نَزَلَتْ فِينَا لاَتَّخَذْنَاهَا عِيدًا. فَقَالَ عُمَرُ إِنِّى لأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَإِنَّا وَاللَّهِ بِعَرَفَةَ - قَالَ سُفْيَانُ وَأَشُكُّ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لاَ - (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) .صحيح البخارى- المكنز [15/ 169] (4606)

وعن عَمَّارَ-وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ -قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ: لَوْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَيْنَا لَاتَّخَذْنَا يَوْمَهَا عِيدًا. قَالَ:"فَإِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ، فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ جُمُعَةٍ".شرح مشكل الآثار [6/ 308] صحيح

وَمَحَلُّ الْإِيرَادِ أَنَّ عُمَرَ سَمِعَ الْيَهُودِيَّ يُشِيدُ بِيَوْمِ نُزُولِهَا، فَقَدْ أَقَرَّ الْيَهُودِيَّ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ أَخْبَرَهُ بِالْوَاقِعِ وَهُوَ أَنَّ يَوْمَ نُزُولِهَا عِيدٌ بِنَفْسِهِ بِدُونِ أَنْ نَتَّخِذَهُ نَحْنُ. وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ; أَقَرَّ الْيَهُودِيَّ عَلَى إِخْبَارِهِ وَتَطَلُّعِهِ وَاقْتِرَاحِهِ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ كَمَا لَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ، مِمَّا يُشْعِرُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ نُزُولُهَا يَوْمَ عِيدٍ، لَكَانَ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنْ تُتَّخَذَ عِيدًا. وَلَكِنَّهُ صَادَفَ عِيدًا أَوْ عِيدَيْنِ، فَهُوَ تَكْرِيمٌ لِلْيَوْمِ بِمُنَاسَبَةِ مَا نَزَلْ فِيهِ مِنْ إِكْمَالِ الدِّينِ وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن [8/ 392]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت