فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 264

عمران:64] وهذه الربوبية فسرها القرآن بالطاعة والخضوع لغيرالله كما في قوله: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31] ،ومعلوم أنهم لم يعبدوهم وإنما أطاعوهم وخضعوا لسلطانهم الديني برضاهم واختيارهم دون إكراه، فكان ذلك الخضوع الطوعي هو عبادتهم واتخاذهم أربابًا، فعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ:"يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ، فَطَرَحْتُهُ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ} [التوبة:31] حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونُهُ، ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟"قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» [1]

فقد كان أهل الكتاب عبيدًا لأحبارهم ورهبانهم، الذين صاروا أربابًا لخضوع الناس لسلطانهم الروحي دون أن يشعر أهل الكتاب بهذه العبودية المعنوية التي هي من الشرك بالله الذي حرمه الإسلام تحريمًا قاطعًا لمناقضته للتوحيد، وهو إفراد الله وحده بالطاعة والخضوع، وهذا أيضا هو معنى ربوبية فرعون الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:24] أي: أنا السيد الذي له عليكم حق الطاعة المطلقة والخضوع المطلق، وذلك لسلطانه الدنيوي، والعرب تطلق على السيد اسم"الرب"كما قال الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته في شأن ملك الحيرة [2] :

وَهُوَ الرَّبُّ، والشَّهِيدُ عَلى يَوْمِ ... الحِيارَيْنِ، والبَلاءُ بَلاءُ

ولهذا قال فرعون ليثبت ربوبيته هذه: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف:51] ،فرأى فرعون أن كون ملك مصرله يجعل له حق الطاعة المطلقة على الشعب المصري، وقد سمى القرآن تلك الدعوة الفرعونية ربوبية وإلهية كما في قوله لموسى: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء:29] ،ومعلوم أنه لم يطلب من موسى إلا طاعته وعدم

(1) - المعجم الكبير للطبراني (17/ 92) (218) صحيح لغيره.

(2) - لسان العرب (1/ 399) وتاج العروس (2/ 459)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت