فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 505

فما تأمرنا؟ قال: وفوا بيعة الأول، فالأول، ثم أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم [1] . فقوله: فتكثر دليل على من سوى الراشدين فإنهم لم يكونوا كثيرًا وأيضًا قوله وفوا بيعة الأول فالأول دل على أنهم يختلفون، والراشدين لم يختلفوا، وقوله: فأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم دليل على مذهب أهل السنة، في إعطاء الأمراء حقهم من المال والمغنم [2] ، فمعاوية رضي الله عنه أفضل ملوك هذه الأمة، والذين كانوا قبله خلفاء نبوة، وأما هو فكانت خلافته ملك، وكان ملكه ملكًا ورحمة وكان في ملكه من الرحمة والحلم ونفع المسلمين، ما يعلم أنه كان خيرًا من ملك غيره [3] ، ومعاوية رضي الله عنه كان عالمًا ورعًا عدلًا دون الخلفاء الراشدين في العلم والورع والعدل، كما ترى من التفاوت بين الأولياء، بل الملائكة والأنبياء، فإمارته وإن كانت صحيحة بإجماع الصحابة وتسليم الحسن ـ رضي الله عنه ـ إلا أنها ليست على منهاج خلافة من قبله، فإنه توسع في المباحات، وتحرز عنها الخلفاء الأربعة، وأما رجحان الخلفاء الأربعة في العبادات والمعاملات فظاهر مما لا سترة فيه [4]

, وقد حدد

ابن خلدون مدى التغير الذي حدث, فقدر أن خلافة وإن كانت تحولت إلى ملك, فإن معاني الخلافة بقيت - بعضها- وإنما كان التغير في الوازع فبعد أن كان دينًا انقلب عصبية وسيفًا: يقصد بذلك أنه بعد أن كان الناس يتصرفون بوازع الدين, والخلافة شورى, صار الحكم مستندًا إلى العصبية والقوة, ولكن معاني الخلافة أي مقاصدها وأهدافها بقيت أي أن غايات هذا الملك كان لاتزال تحقيق مقاصد الدين والحكم وفق الشريعة الإسلامية بالعدل وتنفيذ الواجبات التي يأمر بها الإسلام: أي أن الحكم أو الملك استمر إسلاميًا وشرعيًا [5] ولخص الأدوار التي مرت بها الخلافة فقال: فقد بين أن الخلافة قد وجدت بدون الملك أولًا, ثم التبست معانيها واختلطت بالملك, ثم انفرد الملك حيث افترقت عصبية الخلافة والله مقدر الليل والنهار [6] . فالدور الأول الذي يشير إليه

(1) البخاري رقم 3455.

(2) الفتاوي (35/ 15) .

(3) الفتاوي (4/ 292) .

(4) النهاية عن طعن أمير المؤمنين معاوية صـ 78 ..

(5) النظريات السياسية للريس ص 194 نقلا عن المقدمة لابن خلدون.

(6) المصدر نفسه ص 195.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت