إن من أهداف التمكين إقامة المجتمع الإسلامي الذي تسود فيه قيم العدل والمساواة ورفع الظلم ومحاربته بكل أشكاله وأنواعه، فإذا نظرنا لتاريخ الدولة الإسلامية في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والخلفاء الراشدين، ومن سار على هديهم من التابعين رأينا صورا مشرفة تدل على عظمة هذا الدين، وحب هذه الأمة للعدل:
فها هو - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقيد أصحابه من نفسه في طعنة طعنها إياه بالقدح في بطنه أثناء تسويته الصف للقتال، روى ابن إسحاق [1] أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قدح [2] يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية [3] وهو مستقل من الصف، قال ابن هشام [4] ويقال: مستنصل [5] من الصف - فطعنه في بطنه بالقدح - وقال: استو يا سواد، فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني، فكشف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بطنه وقال: استقد، قال: فاعتنقه فقبل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك, فدعا له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بخير ... » [6] .
وجاء يهودي يشتكي إليه أحد أصحابه قائلا: «يا محمد، إن لي على هذا أربعة دراهم وقد غلبني عليها، قال: أعطه حقه، قال: والذي نفسي بيده، ما أقدر عليها، قد أخبرته أنك تبعثنا إلى خيبر فأرجو أن تغنمنا شيئا فأرجع فأقضيه، قال: أعطه حقه، وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا قال ثلاثا لم يراجع ... » [7] .
(1) هو العلامة الإخباري أبو بكر القرشي الكلبي مولاهم المدني صاحب السيرة النبوية, توفي عام 151هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (7/ 25) .
(2) القدح (بكسر القاف وبسكون الدال) : السهم (لسان العرب: 2/ 556) .
(3) هو سواد بن غزية الأنصاري من بني عدي بن النجار، شهد بدرا وأمَّره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على خيبر, انظر: ابن حجر، الإصابة (2/ 95) .
(4) هو أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب النهلي وقيل الحميري، قام بتهذيب سيرة ابن إسحاق وهو من أئمة اللغة، توفي 418هـ، انظر: سير أعلام النبلاء (10/ 429) .
(5) مستنصل: أي خارج من نصل، بمعنى خرج، لسان العرب (11/ 662) .
(6) سيرة ابن هشام: (1/ 626) تحقيق مصطفى السقا وزملائه.
(7) أخرجه أحمد (2/ 423) .