فالأول؛ حيثما يكون الجهاد متعينًا بمداهمة الكفار لديار الإسلام، حيث يقع الضرر العظيم على المسلمين بتركه، إذ يفضي ذلك إلى تسلط الكافرين وإفسادهم للدين والدينا، كما قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة:191] ،وقال عز وجل: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة:217] .
والثاني؛ حيث لم يبلغ مرتبة الاضطرار، وذلك حينما يكون الجهاد جهاد طلب، فإن تركه لأجل من يُقيم بينهم من النساء والذرية والتجار والأسارى؛ يؤدي إلى تعطيل الجهاد المأمور به شرعًا، لاسيما إذا علم الكفار أن ذلك يكف المسلمين عنهم، فربما ارتكبوه تعمدًا وقصدًا؛ تلافيًا لهجوم المسلمين عليهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وَكَذَلِكَ فِي"بَابِ الْجِهَادِ"وَإِنْ كَانَ قَتْلُ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَغَيْرِهِمْ حَرَامًا فَمَتَى اُحْتِيجَ إلَى قِتَالٍ قَدْ يَعُمُّهُمْ مِثْلُ: الرَّمْيُ بِالْمَنْجَنِيقِ وَالتَّبْيِيتُ بِاللَّيْلِ جَازَ ذَلِكَ كَمَا جَاءَتْ فِيهَا السُّنَّةُ فِي حِصَارِ الطَّائِفِ وَرَمْيِهِمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَفِي أَهْلِ الدَّارِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَبِيتُونَ وَهُوَ دَفْعٌ لِفَسَادِ الْفِتْنَةِ أَيْضًا بِقَتْلِ مَنْ لَا يَجُوزُ قَصْدُ قَتْلِهِ. وَكَذَلِكَ"مَسْأَلَةُ التَّتَرُّسِ"الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ؛ فَإِنَّ الْجِهَادَ هُوَ دَفْعُ فِتْنَةِ الْكُفْرِ فَيَحْصُلُ فِيهَا مِنْ الْمَضَرَّةِ مَا هُوَ دُونَهَا؛ وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ مَتَى لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِمَا يُفْضِي إلَى قَتْلِ أُولَئِكَ الْمُتَتَرَّسِ بِهِمْ جَازَ ذَلِكَ؛ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الضَّرَرَ لَكِنْ لَمْ يُمْكِنْ الْجِهَادُ إلَّا بِمَا يُفْضِي إلَى قَتْلِهِمْ فَفِيهِ قَوْلَانِ. وَمَنْ يُسَوِّغُ"