من غيرهم، وذلك بزعمهم أن ما فعله المجاهدين هو عين ما كانوا يأمرونهم به قبل زمن وأنكره المجاهدين عليهم، وهذا زيادة في الخطأ، فلم يدرك هؤلاء المخالفون بعدُ أن المجاهدين لا يتسرعون كحالهم، وإنما تصدر قراراتهم عن حكمة وروية وتأمل وشورى وبحث ونظر وغير ذلك مما هو لازم وضروري في النوازل وقضايا الأمة المصيرية، وأن هناك من دقائق تفاصيل الأحداث وجزئيات الواقع ما لا يعلمونه - ويعلمه قادة المجاهدين ولا يمكنهم التصريح به لأسباب لا تخفي على أحد - مما يكون له أثر راجح في تأخير القتال أو تعطيله أو اللين مع بعض الفاسدين أو غير ذلك مما ظهر وأنكروه.
وهكذا يكون كلام ورد المخالفين في كل حادثة ونازلة يحصل فيها مثل ذلك.
وكان الواجب عليهم - بعدما رأوا أن إنكارهم على إخوانهم إنما كان من سوء ظن واستعجال مذموم - أن يدركوا أن كلامهم في حق إخوانهم إنما كان من وساوس الشيطان ومدخوله عليهم، وأن يعتذروا لإخوانهم المجاهدين - قادة وجندًا - ويطلبوا منهم العفو على ما بذلوه من أذى في حقهم، وحينها سيجدون أن المجاهدين هم خير الناس للناس، وأرحم الخلق بالخلق، وإلا فهي المكابرة والتعصب للرأي وخصومة الهوى.
ولو كان هؤلاء المخالفين المتعجلين في زمن النبي (ورأوا منه معاهدته لليهود رغم علمه بحالهم، وصبره على المنافقين، ورفضه لقتل عبد الله بن أبي بن سلول رغم عظيم جرمه، وقتاله لبعض اليهود وتركه لبعضهم، وتركه للأصنام في مكة لسنوات طويلة حتى هدمها يوم الفتح، لربما أوقعهم تعجلهم في اتهامه بالتميع والضبابية والتلون، كما فعل ذو الخويصرة في قوله للنبي (: {اعْدِلْ} !.
وهذه الأوصاف التي ابتدعها البعض، وأخذ يصف الناس بها بدلًا عن وصفهم بالأوصاف الدينية التي ينبني عليها أحكامًا شرعية، ليست من الدين أو العلم في شيء، وإن انتسب واضعوها للعلم ورفعوا شعاره وتكلموا بلسانه، لأن واضعيها لم يتمكنوا من وصف حدودها وذكر تعريفها وضوابطها، والتعريف هو ما كان جامعًا مانعًا، أي جامعًا لمعانيه، مانعًا لدخول غيره فيه [1] .
وهذا الأمر - أي ضبط المصطلح ووضع الحد والتعريف له - لا يتأتى مع هذه الأوصاف البدعية التي هي أقرب للتنابز بالألقاب منها للأوصاف الشرعية، وذلك كمصطلح التلون والضبابية والتميع وأنصار الشريعة وأنصار التوحيد وخصوم التوحيد وغير ذلك من الأوصاف التي ابتُليَ المجاهدون بها.
والذي ينظر للمخالفين وهم يطلقون مصطلحات أنصار الشريعة وأنصار التوحيد وخصوم التوحيد يظن أنهم يتكلمون عن فريقين أحدهما مؤمن والآخر إما كافر محارب لله ورسوله أو كاد أن يقع في الكفر والردة، ولو كان الأمر كذلك لهان الخطب.
لكن الواقع أنهم يطلقونها على أناس معلوم يقينًا أنهم جميعًا من المسلمين المؤمنين الموحدين الذين يجاهدون لإقامة الدين وتحكيم الشريعة، وأن ما بينهم من خلاف لا يخرج أحدهم عن أصل الإيمان المنجي، ولو كان
(1) هذه العبارة في وصف"التعريف"مستفادة من إحدى دروس الشيخ عبد العزيز الطريفي فك الله أسره.