الصفحة 8 من 10

التي هي أقرب إلى التنابز بالألقاب منها إلى الأوصاف الشرعية، طالما عُلِمَ عنه الديانة والاستقامة واتباع السنة، فقاعدة أهل السنة في ذلك أن تُحمَل أقواله وأفعاله على أحسن محاملها، اتباعًا لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12] .

والمخالفون في ذلك لا يدركون ولا يراعون هذه البدهيات في تعاملهم مع الطوائف والأعيان، مع كون بعض هؤلاء المخالفين من حملة العلم، وبعضهم من أدعياء الجهاد.

وهذا له أمثلة كثيرة، منها ما سلكه تنظيم الخوارج المسمى بـ (تنظيم الدولة) في هذا الأمر، والذي انتهج سياسة استباق الناس في التكفير، فحكم بالكفر على أعيان وطوائف لم تقع في الكفر بعد، وقاتلهم على ذلك، بينما امتنع المجاهدون من أهل السنة عن قتالهم، وأنكروا على الخوارج التكفير بالمآل، فلما تحقق هذا المآل في بعض هذه الطوائف ووقعت في الكفر والردة، أو وقعت في الحرابة والإفساد في الأرض، أو غير ذلك مما أجاز الشرع قتالهم لأجله، وقام المجاهدون بإطلاق الوصف الشرعي عليهم، وقتالهم انقيادًا للحكم الشرعي، ودفعًا للمفسدة الراجحة، أنكر عليهم الغلاة وأنصارهم تباطؤهم في ذلك، وزعموا أن الخوارج كانوا أكثر حكمة ودراية بأحوال الناس وأكثر انقيادًا للشرع منهم، لأجل سبقهم لهم في ذلك، وهو كلام لا علاقة له بالعلم البتة، وإنما هو الهوى لا غير.

ومن ذلك أيضًا ما قام به البعض من الحكم على بعض الجماعات بالعمالة والخيانة، والدعوة لقتالها وإزالتها، فلم يستجب المجاهدون له، وهذا له أسباب كثيرة، إما لعدم ثبوت التهمة عليهم حينها، أو لتجنيب الساحة مفاسد يمكن درؤها أو تأجيلها لوقت يمكن احتمالها فيه ولا يكون ضررها كبيرًا على الجهاد والمجاهدين، أو مراعاة لأفهام الناس لعدم فهمهم لمبررات هذا القتال، وألا يتحدث الناس أن المجاهدين يقتل بعضهم بعضًا، أو تأليفًا لقلوب بعض أتباع هذه الجماعات، وطمعًا في هدايتهم، وهذا كله من الهدي النبوي ومن السياسة الشرعية الرشيدة.

فكان رد هؤلاء المخالفين أن حكموا على المجاهدين بالتميع والضبابية، فلما أقدم المجاهدون على قتال هذه الجماعات الفاسدة، بعد استنفاذ صبرهم معهم وعجزهم عن تأليف قلوبهم، وبعد أن رأوا أن المفسدة الأكبر في عدم قتالهم، وأن المصلحة الشرعية في قتالهم، وبعد أن ظهرت مبررات قتالهم للناس، وأُمِنَ من تنفيرهم بسبب هذا القتال، حينها قام هؤلاء القوم بوصف المجاهدين بالتلون، وأن إدراكهم للحقائق جاء متأخرًا، وأن غيرهم أسبق منهم في فهم الأمور، وأعلم منهم بالواقع والسياسات، وهو كلام كذلك لا علاقة له بالعلم البتة، وإنما هو الهوى وعصبية الخصومة لا غير.

بل الصواب الذي أثبته الواقع أن المخالفين هم المتعجلون في كل نازلة، وأنهم يقدمون إساءة الظن والطعن في دين الناس والاستعجال في الحكم على الطوائف والأعيان، وهذه كلها من الصفات المذمومة شرعًا.

ولكنهم - أي المخالفين - أرادوا ستر معصيتهم وخطئهم في حق إخوانهم بالمزيد من إساءة الظن والطعن في الدين، والكبر والتعالي على إخوانهم والشماتة فيهم، وكأن غايتهم ومرادهم إثبات أنهم أفقه وأصوب رأيًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت