الصفحة 7 من 10

بل قد فعل النبي (أكثر من ذلك مع عبد الله ابن أبي، وذلك حين قَبِلَ شفاعته في يهود بني قينقاع رغم نكثهم للعهد وعدوانهم على المسلمين، ورغم سوء أدبه معه حين طلب الشفاعة فيهم، ثم صلى عليه عند موته، وكان ذلك قبل أن يُنهى عنه، كما هو معلوم ومُدوَّن في كتب الحديث والسير.

والبعض في زماننا لو رأى مثل هذه الأفعال أو ما يشابهها من قادة المجاهدين مع بعض المنافقين لسارع باتهامهم بالتلون والانبطاح والتميع والضبابية والرقة في الدين وترك الصدع بالحق والمهادنة لأهل الباطل، وغير ذلك من التهم المعروفة والمشهورة.

وهذا وقع لبعض المجاهدين المعروفين بالسبق والصدق والبلاء، كما رأينا من بعض من يتهمهم بالتميع والتلون والضبابية ومعاداة أنصار الشريعة، وذلك حين وجدوا منهم صبرًا على بعض الجماعات أو محاولة لاحتوائها والتقرب منها بُغية أطرها على الحق أو مراعاة للمصالح والمفاسد وأحوال الناس عند الاجتهاد في بعض المسائل التي تحتمل البحث والاجتهاد والنظر، ويُتَصوَّرُ فيها الخلاف.

والأصل أن الرجل إذا كان معروفًا بديانته واستقامته وتقواه واتباعه للحق والسنة، أن يُقَدَّم فيه إحسان الظن، وتُحمَل تصرفاته على اعتبار المصلحة والمفسدة الشرعية ومراعاة أحوال الناس وغير ذلك مما هو معروف في أصول الفقه وأبواب السياسة الشرعية.

ولاشك أن قياسنا على التفصيل الذي ذكرناه من حال النبي (وتصرفاته سينكره علينا أكثر من وقعوا في هذا الفهم الخاطئ، وذلك لوقوعهم نفسيًا تحت سطوة الأسماء [1] ، لأنهم لا يتصورون تلك الأوصاف التي يستعملونها مع مخالفيهم في حق النبي (، ولهذا يقبلون منه هذه التصرفات دون استنكار، بينما لو قام بعض المجاهدين باتباع سنة النبي (في ذلك وفعل ما كان يفعله، لتصوروا في حقهم تلك الأوصاف، وأطلقوها عليهم دون تردد.

ولاشك أن الانهزام النفسي أمام سطوة الأسماء دليل على عدم الترسخ والتمكن في العلم، أو هو دليل على عصبية الخصومة واتباع الهوى، وربما كان دليلًا على كليهما.

ولا يعني ذلك إنكارنا لتعظيم قدر النبي (- معاذ الله -، فمعلوم لدى كل مسلم أن تعظيم قدر النبي (أصل في الإيمان المنجي من النار والخلود فيها، وإنما مرادنا أن المرء ينبغي عليه أن يتجرد من نوازع النفس عند النظر في مسائل العلم ونوازل الأمم.

والقصد أنه لا يصح أن يُقال لمن اتبع سياسة النبي (بتغيير معاملته مع الناس باختلاف أحوالهم أنه متلون، كما لا يصح أن يُقال لمن راعى المصالح والمفاسد الشرعية وصبر على المنافقين وبعض الفاسدين ومن في قلوبهم مرض، وحاول تأليف قلوب بعضهم وألان الخطاب لهم أنه ضبابي أو متميع، أو غير ذلك من أوصاف الذم

(1) وقوع البعض نفسيًا تحت سطوة الأسماء عند مناقشة الأحكام الشرعية، عبارة أطلقها الشيخ أبو قتادة الفلسطيني حفظه الله في بعض دروسه وكتاباته، واستفدناها منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت