فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 504

بِمَثَابَةِ مَنْ أَوْقَدَ نَارًا فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَاسْتَضَاءَ بِهَا وَرَأَى مَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَّقِيَهُ وَأَمِنَ مِنْهُ، فَإِذَا طَفِئَتْ عَنْهُ أَوْ ذَهَبَتْ وَصَلَ إِلَيْهِ الْأَذَى وَبَقِي مُتَحَيِّرًا، فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ لَمَّا آمَنُوا اغْتَرُّوا بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ يَصِيرُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَى الْعَذَابِ الْأَلِيمِ كَمَا أَخْبَرَ التَّنْزِيلُ: {إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [1] .وَيَذْهَبُ نُورُهُمْ، وَلِهَذَا يَقُولُونَ: {انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [2] [3] .

-جازاهم الله تعالى على حسب ما في قلوبهم: {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} ، كأنه أخذه قهرًا.

-تخلي الله عن المنافقين، لقوله تعالى: {وَتَرَكَهُمْ} ، ومن تخلى الله عنه فهو هالك. ليس عنده نور، ولا هدًى، ولا صلاح، لقوله تعالى: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [4] .

-بلاغة القرآن، حيث يضرب للمعقولات أمثالًا محسوسات، لأن الشيء المحسوس أقرب إلى الفهم من الشيء المعقول، لكن من بلاغة القرآن أن الله تعالى يضرب الأمثال المحسوسة للمعاني المعقولة حتى يدركها الإنسان جيدًا، كما قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [5] .

-هؤلاء المنافقين ليس في قلوبهم نور، لقوله تعالى: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} ، فهؤلاء المنافقون يستطعمون الهدى، والعلم، والنور، فإذا وصل إلى قلوبهم. بمجرد ما يصل إليها. يتضاءل، ويزول، لأن هؤلاء المنافقين إخوان للمؤمنين من حيث النسب، وأعمام، وأخوال، وأقارب، فربما يجلس إلى المؤمن حقًا، فيتكلم له بإيمان حقيقي، ويدعوه، فينقدح في قلبه هذا الإيمان، ولكن سرعان ما يزول [6] .

-الإيمان نور له تأثير حتى في قلب المنافق، لقوله تعالى: {فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} : الإيمان أضاء بعض الشيء في قلوبهم، ولكن لما لم يكن على أسس لم يستقر، ولهذا قال تعالى في سورة المنافقين. وهي أوسع ما تحدَّث الله به عن المنافقين: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [7] .

- {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} وَقَالَ قَتَادَةُ {صُمٌّ} عَنِ اسْتِمَاعِ الْحَقِّ،" {بُكْمٌ} عَنِ التَّكَلُّمِ بِهِ، {عُمْيٌ} عَنِ الْإِبْصَارِ لَهُ [8] ."

-هؤلاء المنافقين أصم الله تعالى آذانهم، فلا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا، ويجوز أن يُنفى الشيء لانتفاء الانتفاع به، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [9] .

(1) سورة النساء: الآية 145.

(2) سورة الحديد: الآية 13.

(3) تفسير القرطبي 1/ 213.

(4) تفسير ابن عثيمين 1/ 65.

(5) سورة العنكبوت: الآية 43.

(6) تفسير ابن عثيمين 1/ 64.

(7) سورة المنافقون: الآية 3.

(8) تفسير القرطبي 1/ 215.

(9) سورة الأنفال: الآية 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت