أنساك طول نهار الشّيب آخره، ... وكلّ ليل شباب عيبه القصر [1]
إنّ السّواد على لذّاته لعمى، ... كما البياض على علّاته بصر
البيض أوفى وأبقى لي مصاحبة، ... والسّود مستوفزات للنّوى غدر [2]
كنت البهيم وأعلاق الهوى جدد ... وأخلقتك حجول الشّيب والغرر
وليس كلّ ظلام دام غيهبه، ... يسرّ خابطه أن يطلع القمر [3]
أما تريني كصلّ تحت هضبته ... بالرّمل أطرق لا ناب، ولا ظفر
مسالما يأمن الأقران عدوته، ... ملقى الحنيّة عرّى متنها الوتر
كالفرع ساقط ما يعلوه من ورق، ... والجفن أفرد عنه الصّارم الذّكر [4]
إن أشهد القوم لا أعلم نجيّهم، ... ماذا قضوا، ويجمجم دوني الخبر
كان الشّباب الذي أنضيت مندله، ... عقب الخميلة لمّا صوّح الزّهر [5]
من بعد ما كنت أستسبي المها شغفا، ... أمست تروع بي الغزلان والبقر
لم أدر أنّ الصّبا تبلى خميصته، ... وأنّ منصات ذاك العود يناطر [6]
إن أمس لا يتّقي زجري ولا غضبي ... ولائد الحيّ، مملولا لي العمر
فقد أردّ العفرنى عن أكيلته، ... وأزجر الضّيغم الغادي فينزجر [7]
ما للزّمان رمى قومي فدعذعهم، ... تطاير القعب لمّا صكّه الحجر [8]
ينفضّ جمّاعهم عن كلّ نائبة، ... كما تهالك تحت الميسم الوبر
(1) يعمد الشريف الرضي هنا الى المدح في معرض الذم، فعيب ليل الشباب قصره.
(2) مستوفزات: منتصبات للنوى: للبعد.
(3) الخابط: هو الذي يسير ليلا على غير هدى.
(4) الفرع: الغصن الجفن: غمد السيف.
(5) المندل: نسيج يحمله الرجل ليتمسح به عرقه صوح: يبس.
(6) الخميصة: ثوب أسود مربع المنصات: المستوي ينأطر: ينحني.
(7) العفرنى: الأسد، وهو الضيغم أيضا.
(8) فذعذعهم: فبددهم القعب: قدح الزجاج الكبير صكّه: ضربه.