فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 1123

في المرق، ويُؤثرك الطفل ببعض طعامه، وتدللك الفتاة على صدرها، وتمسحك المرأة بيديها، ويتناولك الرجل كما يتناول ابنه؟ وما لجلدك هذا مغبرًّا كأنك لا تلطعه بلعابك، ولا تتعهده بتنظيف، وكأنك لم تر قط فتى أو فتاة يجري الدهان بريقًا في شعره أو شعرها، فتحاول أن تصنع بلعابك لشعرك صنيعهما؛ وأراك متزايل الأعضاء متفككًا حتى ضعُفتَ وجهدتَ، كأنه لا يركبك من حب النوم على قدر من كسلك وراحتك، ولا يركبك من حب الكسل على قدر من نعيمك ورفاهتك، وكأن جنبيك لم يعرفا طِنْفِسة ولا حَشِيَّة ولا وسادة ولا بساطًا ولا طرازًا، وما أشبهك بأسد أهلكه ألا يجد إلا العشب الأخضر والهشيم اليابس، فما له لحم يجيء من لحم، ولا دم يكون من دم، وانحط فيه جسم الأسد، وسكنت فيه روح الحمار!

قال الهزيل: وإن لك لحمة وشحمة، ولبنًا وسمكًا، وجبنًا وفتاتًا، وإنك لتقضي يومك تَلْطَع جلدك ماسحًا وغاسلًا، أو تتطرح على الوسائد والطنافس نائمًا ومتمددًا, أما والله لقد جاءتك النعمة والبلادة معًا، وصلحت لك الحياة وفسدت منك الغريزة، وأحكمت طبعًا ونقضت طباعًا، وربحت شبعًا وخسرت لذة، عطفوا عليك وأفقدوك أن تعطف على نفسك، وحملوك وأعجزوك أن تستقل، وقد صرت معهم كالدجاجة تُسَمَّن لتُذبح، غير أنهم يذبحونك دلالًا وملالًا.

إنك لتأكل من خِوَان أصحابك، وتنظر إليهم يأكلون، وتطمع في مؤاكلتهم، فتشبع بالعين والبطن والرغبة ثم لا شيء غير هذا، وكأنك مرتبط بحبال من اللحم تأكل منها وتحتبس فيها.

إن كان أول ما في الحياة أن تأكل فأهون ما في الحياة أن تأكل، وما يقتلك شيء كاستواء الحال، ولا يحييك شيء كتفاوتها؛ والبطن لا يتجاوز البطن ولذته لذته وحدها، ولكن أين أنت عن إرثك من أسلافك، وعن العلل الباطنة التي تحركنا إلى لذات أعضائنا، ومتاع أرواحنا، وتهبنا من كل ذلك وجودنا الأكبر، وتجعلنا نعيش من قِبَل الجسم كله، لا من قبل المعدة وحدها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت