فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 649

يَرَى أَنَّ إِضَاعَةَ الحَدِيثِ التَّحْدِيثُ بِهِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ» [1] وكثيرًا ما كان يَقُولُ: «لاَ تَنْثُرُوا اللُّؤْلُؤَ عَلَى أَظْلاَفِ الْخَنَازِيرِ» يَعْنِي الحَدِيثَ [2] أي لا تحدثوا الحديث لغير أهله.

وَرَأَى الأَعْمَشُ شُعْبَةََ بْنَ الحَجَّاجِ يُحَدِّثُ قَوْمًا، فَقَالَ لَهُ: «وَيْحَكَ يَا شُعْبَةُ! تُعَلِّقُ الدُّرَّ فِي أَعْنَاقِ الخَنَازِيرِ [3] ؟» . قَالَ مُجَالِدٌ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ بِحَدِيثِ ... فَرَوَيْتُهُ عَنْهُ، فَأَتَاهُ قَوْمٌ فَسَأَلُوهُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَا حَدَّثْتُ بِهَذَا الحَدِيثِ قَطُّ، فَأَتَوْنِي، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَوَ مَا حَدَّثْتَنِي؟ فَقَالَ: «أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثِ الحُكَمَاءِ، وَتُحَدِّثُ بِهِ السُّفَهَاءَ!؟» [4] . وكان يقول: «إِنَّمَا كَانَ يَطْلُبُ هَذَا العِلْمَ مَنْ جَمَعَ النُّسُكَ وَالعَقْلَ، فَإِنْ كَانَ عَاقِلًا بِلاَ نُسُكٍ قِيلَ: هَذَا لاَ يَنَالُهُ، وَإِنْ كَانَ نَاسِكًا بِلاَ عَقْلٍ قِيلَ: هَذَا أَمْرٌ لاَ يَنَالُهُ إِلاَّ العُقَلاَءُ» [5] .

وأختتم هذه الفقرة بذكر شيء من أساليب الحيطة، التي كان يفعلها زائدة بن قدامة [6] مع من يأتيه طالبًا للحديث، حِرْصًا منه على صيانة السُنَّةِ المُطَهَّرَةِ وحفظها.

رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ المُهَلَّبِ الأَزْدِيُّ، قَالَ: «كَانَ زَائِدَةُ لاَ يُحَدِّثُ أَحَدًا حَتَّى يَمْتَحِنَهُ، فَإِنْ كَانَ غَرِيبًا، قَالَ لَهُ: مَنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ البَلَدِ قَالَ: أَيْنَ مُصَلاَّكَ؟ وَيَسْأَلُ كَمَا يَسْأَلُ القَاضِي عَنِ البَيِّنَةِ، فَإِذَا قَالَ لَهُ سَأَلَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ قَالَ: لاَ تَعُودَنَّ إِلَى هَذَا المَجْلِسِ،

(1) "المحدث الفاصل": ص 141: آ.

(2) "المحدث الفاصل": ص 141: آ.

(3) "المحدث الفاصل": ص 142: آ.

(4) "المحدث الفاصل": ص 141: ب، ولعل الشعبي أنكر ذلك لأنه خشي من القوم السفهاء أن يتخذوا ما حَدَّثَ به ذريعة إلى أهوائهم.

(5) "تذكرة الحفاظ": ص 77 جـ 1.

(6) انظر ترجمته في"تذكرة الحفاظ": ص 194 جـ 1، وهو إمام حُجَّةٌ تُوُفِّيَ سَنَةَ 161 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت