فهرس الكتاب

الصفحة 369 من 1760

قد أدرنا عليكم اليوم شراب التشويق ممزوجًا بماء التخويف، فبالله لا يقم أحد منكم معكم من هذا المجلس إلا وقد أناب إِلَى الكريم الوهاب.

أليس من أهل الشراب من يبكي، ومنهم من يضحك، ومنهم من يطرب، ومنهم من يتملّق النّاس ويتعلق بهم، ومنهم من تثور نفسه فلا يرضى إلا بأن يطلق أو يضرب بالسيف، ومنهم من ينام.

فهكذا شراب المواعظ يعمل في السامعين: فمنهم من يبكي عَلَى ذنوبه، ومنهم من يضحك لنيل مطلوبه، ومنهم من يضحك فرحًا لمحبوبه، ومنهم من يتشبث بأذيال الواصلين لعله يعلّق خطام راحلته عَلَى قطارهم، ومنهم من لا يرضى حتى يبت طلاق الدُّنْيَا ثلاثًا، أو يقتل هوى نفسه بسيف العزم كالمعربد، ومنهم من لا يدري كالنائم.

أَيَقْظَانُ أَنْتَ اليَوْمَ أَمْ أَنْتَ نَائِمُ ... وكيف يطيق النَّوْمَ حَيْرَانُ هَائِمُ!

فَلَوْ كُنْتَ يَقْظَانَ الفُؤَادِ لَحَرَّقَتْ ... مَحَاجِرَ عَيْنَيْكَ الدُّمُوعُ السَّوَاجِمُ [1]

بَلَ أَصْبَحْتَ فِي النَّوْمِ الطَّوِيلِ وَقَدْ دَنَتْ ... إلَيْكَ أُمُورٌ مُفْظِعَاتٌ عَظَائمُ

تُسَرُّ بِمَا يَفْنَى وَتُشْغَلُ بِالمُنَى ... كَمَا سُرَّ بِاللَّذَاتِ فِي النَّوْم حَالِمُ

نَهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ ... ولَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدَى لك لاَزِمُ

وَتَدْأَبُ فِيما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ ... كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا تَعِيشُ البَهَائِمُ

وصلى الله عَلَى سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إِلَى يوم الدين، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [2] .

(1) السواجم: قَطَران الدمع وسيلانه قليلًا كان أو كثيرًا."لسان العرب"مادة: (سجم) .

(2) الصافات: 180 - 182.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت