…وأما الجزء الثاني من المركب فهو (الفقه) والفقه لغة: الفهم أي فهم غرض المتكلم من كلامه. قال الجوهري: الفقه: الفهم. تقول: فقه الرجل الكسر، وفلان لا يفقه ولا ينقه (1) ، ثم خص به علم الشريعة. والعالم به فقيه. وقد فقه بالضم فقاهة وفقهه الله وتفقه إذا تعاطى ذلك. أ هـ.
…والفقه اصطلاحًا: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد.
شرح التعريف:
قوله: معرفة: المعرفة تشمل اليقين - وهو ما أدرك على حقيقته كمعرفة أن الصلوات خمس، وأن الزنا محرم، والظن وهو ما أدرك على وجه راجح كما في كثير من مسائل الفقه (2) . مثل معرفة أن الوتر سنة على مذهب الجمهور. وأن الزكاة غير واجبة في الحلي المباح على أحد الأقوال. والمراد بالمعرفة هنا الظن؛ لقوله: (التي طريقها الاجتهاد) . فهو صفة للمعرفة، لا للأحكام الشرعية إذ لو كان صفة للأحكام لدخل في التعريف معرفة المقلد، فإذا جعلناه صفة للمعرفة خرج المقلد إذ يصير التعريف:
الفقه: هو المعرفة التي طريقها الاجتهاد. والمقلد ليست معرفته عن طريق الاجتهاد بل عن طريق التقليد، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في آخر الورقات.
وقوله: (الأحكام الشرعية) أي المأخوذة من الشرع المبعوث به النبي - صلى الله عليه وسلم -. كالوجوب والاستحباب والحرمة وغيرها.
وقيد (الشرعية) خرج به الأحكام العقلية، كمعرفة أن الواحد نصف الاثنين، والأحكام الحسية كمعرفة أن النار حارة، والعادية كنزول المطر بعد الرعد والبرق.
وقوله: (التي طريقها الاجتهاد) تقدم أنه صفة للمعرفة. والمعنى: التي طريق ثبوتها وظهورها الاجتهاد الذي هو بذل الجهد لإدراك حكم شرعي مثل: النية واجبة في الوضوء والفاتحة واجبة في الصلاة السرية والجهرية على أحد الأقوال، وغير ذلك من مسائل الخلاف. وأما ما طريقة القطع مثل الصلاة الواجبة والزنا محرم وغير ذلك من المسائل المصنف، لأن معرفة ذلك يشترك فيها الخاص والعام. فالفقه بهذا التعريف لا يتناول إلا فقه المجتهد.
هذا هو تعريف أصول الفقه باعتبار مفردية. وأما التعريف الثاني وهو تعريفه باعتباره علمًا على هذا الفن المعين فسيذكره المصنف بعد الكلام على الأحكام الشرعية. والله أعلم.
(1) قال في القاموس: نقه الحديث: فهمه.
(2) انظر البرهان لإمام الحرمين (1/78) .