فهرس الكتاب

الصفحة 7443 من 12961

يقال: فتن الصَّائغُ الذَّهب، إذا أدخلهُ النَّار، وأذابهُ؛ ليميِّز جيِّده من رديِّيه، ثم استعمل في كلِّ ما أزال الشيء عن حدِّه وجهته، فقالوا: فتنة، فقوله تعالى: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} . أي: يزيلونك، ويصرفونك عن الذي أوحينا إليك، وهو القرآن، أي: عن حكمه؛ وذلك لأنَّ في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن.

وقوله: {لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} أي غير ما أوحينا إليك، وقوله: {وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلًا} أي لو فعلت ذلك ما أرادوا لاتخذوك خليلا، وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كفرهم وراضٍ بشركهم، ثم قال: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} يعني على الحق، بعصمتنا إياك {لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ} أي تميل إليهم شيئًا قليلًا.

قرأ العامة بفتح كاد تركن مضارع رَكِن بالكسر، وقتادة، وابن مصرف، وابن أبي إسحاق «تَرْكُن» بالضم مضارع «رَكَن» بالفتح، وهذا من التداخل، وقد تقدم تحقيقه في أواخر «هود» و «شيئًا» منصوب على المصدر، وصفته محذوفة، أي شيئًا قليلًا من الركون، أو ركونًا قليلًا.

قال ابن عباس: يريد حيث سكوتك عن جوابهم.

قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» .

ثم توعد في ذلك أشد التوعد، فقال: {إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة} أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

قال الزمخشري: فإن قلت: كيف حقيقة هذا الكلام؟ قلت: أصله لأذقناك عذاب الحياة، وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان عذاب في الممات، وهو عذاب القبر وعذاب في الحياة الآخرة، وهو عذاب النار، والضعف يوصف به نحو قوله تعالى: {فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النار} [الأعراف: 38] يعني عذابًا مضاعفًا، فكان أصل الكلام: لأذقناك عذابًا ضعفًا عذابًا ضعفًا في الحياة، وعذابًا ضعفًا في الممات ثم حذف الموصوف، فأثبت الصفة مقامه وو الضعف، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف، فقيل: ضعف الحياة، وضعف الممات، لما تقدم في القرآن من وصف العذاب بالضعف في قوله: {مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النار} [ص: 61] وحاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك، وعقدت على الركون إليه لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا وفي الآخرة، وصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة، والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله في حق الأنبياء عليهم السلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم، وكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر، ونظيره قوله تعالى: يانسآء النبي مَن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت