فهرس الكتاب

الصفحة 4606 من 12961

قوله: «فإنهم لا يكذبُونَكَ» .

قرأ نافع، والكسائي «لا يكذبونك» مُخَفَّفًا من «أكْذّب» .

والباقون مثقَّلًا من «كذَّبَ» وهي قراءة عَلِيَّ، وابن عبَّاسٍ.

واختلق الناسُ في ذلك، فقيل: هُمَا بمعنَى واحدٍ، مثل: أكثر وكَثَّرَ وأنْزَلَ ونزَّلَ، وقيل: بينهما فَرْقٌ.

قال الكسائي: العَرَبُ تقول: كَذّبت الرجل بالتَّشْديدي إذا نُسِبَ الكذب إليه، وأكذبته إذا نِسَبْتَ الكذب إلى ما جَاءَ دُونَ أن تَنْسِبَهُ إليه، ويقولون أيضًا: أكذبت الرَّجُلَ إذا وجدته كَاذِبًا، ك «أحْمَدْتُهُ» إذا وجدته محمُودًا، فَمَعْنِى لا يُكذبونك مُخَفَّفًا: لا يَنْسِبُون الكَذِبَ إلَيْكَ ولا يجدونك كاذبًا وهو واضحٌ.

وأمَّا التَّشديد فيكون خبرًا مَحْضًا عن عدم تكذيبهم ضَرْورَةً.

فالجوابُ من وُجُوه:

الأول: أنَّ وإن كان مَنْسُوبًا إلى جميعهم أعْنِي عدم التكذيب، فهو إنما يُرَادُ بعضهم مجازًا، كقولك: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ} [الشعراء: 105] {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ} [الشعراء: 160] وإن كان فيهم من لم يكذبه، فهو عامُّ يرادُ به الخَاصُّ.

والثاني: أنه نفي للتكذيب لانْتَِفَاءِ ما يَتَرَتَّبُ عليه من المَضَارِّ، فكأنه قيل: فإنهم لا يكذبونك تكذيبًا يُبَالَى به ويضرك؛ لأنك لِسْتَ بكاذبٍ، فتكذيبُهُمْ كلا تَكْذِيبٍ، فهو من نَفْيِ السَّبَبِ لانتفاء مسببه.

وقال الزمخشري: والمعنى أن تكذيبك أمْرٌ راجع إلى اللَّه تعالى؛ لأنك رسُولُهُ المصدَّق، فهم لا يكذبونك في الحقيقةِ، إنَّما يكذِّبون اللَّهَ بجحود آياته، فانْتَهِ عن حُزْنِكَ، كقول السَّيَّدِ لُغلامِهِ وقد أهَانَهُ بعض الناسِ لم يُهينوك وإنما أهَلانُونِي، فهو نظير قوله: {إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله} [الفتح: 10] .

الثالث: أن القوم ما كانوا يُكذِّبُون به في السِّرِّ كما تقدَّمَ في سبب النزول، فيكون تقدير الآية: فإنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بقلوبهم، بل بظاهر قولهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت