قال أبو حيَّان: وكلام الزَّمخشري ملفقٌ من كلام أبي عَلِيّ، وأمَّا» من كانت أمك «فإنه حَمَلَ اسمَ» كان «على معنى» مَنْ «ن فإنَّ لها لَفْظًا مُفردًا مذكّرًا، ولها معنى بحسب ما تريد من إفراد وتَثنيٍة وجَمْعِ وتذكير وتأنيثٍ، وليس الحَمْلُ على المعنى لِمْرعَاةِ الخَبَرِ، ألا ترى أنه يجيء حيث لا خبر، كقوله:
{وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} [يونس: 42] .
وقوله: [الطويل]
تكُنْ مَثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ ... قال شهاب الدين - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: ليت شِعْري، ولأي معنى خصَّ الزمخشري بهذا الاعتراض، فإنه وَارِدٌ على أبي عَلِيِّ أيضًا؟ إذ لقائل أن يقول: التأنيثُ في «جَاءَتْ» لحمل على معنى «ما» وإنْ لها هي أيضًا لفظًا ومعنى مَثْل «مَنْ» ن على أنه يقال: للتأنيث عِلَّتانِ، فذكر [إحداهما، ورجَّح] أبو عُبيدة قراءة الأخويْ ن بقراءة أبَيّ، وابن مسعود: «وما كان فتنتهم إلاَّ أن قالوا» فلم يُلْحِق الفعل علامة تأنيثٍ، ورجَّحها غيره بإجماعهم على نَصْبِ «حُجَّتهم» من قوله تبارك وتعالى: {كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} [الجاثية: 25] .
وقرئ شاذًا «ثم لم يكن فتنتهم إلا أنه قالوا» بتذكير «يكنْ» ، ورفع «فتنتهم» .
ووجه شُذُوذِهَا سقوط علامةِ التأنيث، والفاعل مؤنّث لَفْظًا، وإن كان غير حَقيقيِّ، وجَعْلُ غير الأعْرَفِ اسمًا، والأعرف خبرًا، فهي خبرًا، فهي عَكْسُ القراءة الأولى، من الطَّرَفَيْنِ، و «أن قالوا» مما يجب تأخيره لِحصْرِهِ سواء أجُعِلَ اسمًا أم خبرًا.
فصل في معنى الفتنة في الآية
معنى قوله: «فتنتهم» ، أي: قولهم وجوابهم.
وقال ابن عبَّاس، وقتادة: معذرتهم، والفِتْنَةُ التِّجْرِبةٌ، فلمَّا كان سؤالهم تَجْرِبَةً لإظهار ما في قلوبهم قيل: فَتْنَة.
فصل في بيان لطيفة في الآية
قال الزَّجَّاج - رَحِمَهُ اللَّهُ - «لم تَكُنْ فتنتهم» معنى لَطِيفٌ، وذلك لأنَّ الله - تبارك وتعالى - بيَّن أنَّ المشركين مَفْتُونُونَ بِشِرْكِهِمْ متهالكين على حبّه، فأعلم