فهرس الكتاب

الصفحة 3436 من 12961

قال القرطُبي: ذكر العُلَمَاء أن من تطهَّر [تَبَرُّدًا] أو صام [حميَّة] لِمعدَتِهِ، ويرى مع ذَلِكَ التَّقرُّب لم يُجْزِه؛ لأنه مَزَج [نية] التَّقرُّب بنيَّة دُنْيَويَّة، ولذا إذا أحسَّ الإمام بداخِلٍ وهو رَاكِعٌ لم يَنْتَظِرْه، لأنه يُخْرِج ذكر [الله] بانتظاره عن كَوْنِه خالصًا - لله - تعالى.

ثم قال {وبالوالدين إِحْسَانًا} وتقدم الكلام على نظير هذا في البَقَرَةِ، واتَّفقوا على أن ههنا مَحْذوفًا، والتَّقْدير: «وأحسنوا بالوالدين إحسانًا» ؛ كقوله: «فضرب الرقاب» أي: فاضْربُوها، وقرأ ابن أبي عَبْلَة: «إحسان» بالرَّفع على أنَّه مُبْتَدأ، وخبره الجَارّ [والمجرور] قَبْلَهُ.

والمراد بهذه الجُملَةِ: الأمر بالإحسان وإن كانت خبريةً؛ كقوله - تعالى - {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 18] .

قوله: {وَبِذِي القربى} فأعاد الباء، وذلك لأنها في حق هذه الأمَّة، فالاعتناء بها أكثر، وإعادة الباء تدل على زيادة تأكيد فنتسب ذلك هنا، بخلاف آية البَقَرَة، فإنَّها في حقِّ بني إسْرائيل، والمراد الأمْر بصلَة الرَّحم، كما ذكر في أول السُّورة بقوله: {والأرحام} [النساء: 1] .

واعلم أن الوَالِدَيْنِ من القَرَابة أيضًا، إلا أنَّهما لمّا تَخَصَّصَت قرابتهما بكَوْنِهمَا أقرب القَرَابات، لا جرم خصّهما بالذِّكْر.

{واليتامى} فاليتيم مَخْصُوص بنوعِيْن من العَجْز:

أحدهما: الصِّغر.

والثاني: عَدَم المُنْفِق، ومن هذا حَالهُ كان في غَايَة العَجْزِ واستِحْقَاقِ الرحمة.

قوله {والمساكين} فالمسْكين وإن كان عدِيم المالِ، إلا أنَّه لكبره يمكنه أن يَعْرض حالَ نَفْسَه على الغَيْرِ؛ فيجتلب به نَفْعًَا أو يدفعَ به ضررًا، وأما اليتيمُ، فلا قُدرة له؛ فلهذا المعنى قدَّم الله اليتيم في الذِّكر على المِسْكِين، والإحْسَان إلى المِسْكِين إما بالإجْمَالِ إلَيْهِ، وإمّا بالرَّدِّ الجميل، لقوله: {وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ} [الضحى: 10] .

وقوله: {والجار ذِي القربى} الجمهور على خفض الجارّ، والمراد به القَرِيب النَّسِيب، وبالجار الجُنُب: لبعيد النَّسِيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت