صفحة رقم 77
ولذلك النور مادة وهو زيت قد عصر من زيتونة في اعدل الاماكن تصيبها الشمس اول النهار واخره فزيتها من اصفى الزيت وابعده من الكدر حتى انه ليكاد من صفائه يضئ بلا نار فهذه مادة نور المصباح
وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن هو من شجرة الوحي التي هي اعظم الاشياء بركة وابعدها من الانحراف بل هي اوسط الامور واعدلها وافضلها لم تنحرف انحراف النصرانية ولا انحراف اليهودية بل هي وسط بين الطرفين المذمومين في كل شئ فهذه مادة مصباح الايمان في قلب المؤمن
ولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه حتى كاد ان يضئ بنفسه ثم خالط النار فاشتدت بها اضاءته وقويت مادة ضوء النار به كان ذلك نورا على نور وهكذا المؤمن قلبه مضئ يكاد يعرف الحق يفطرته وعقله ولكن لا مادة له من نفسه فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه وخالطت بشاشته فازداد نورا بالوحي على نوره الذي فطره الله تعالى عليه فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة نور على نور فيكاد ينطق بالحق وان لم يسمع فيه اثر ثم يسمع الاثر مطابقا لما شهدت به فطرته فيكون نورا على نور فهذا شان المؤمن يدرك الحق بفطرته مجملا ثم يسمع الاثر جاء به مفصلا فينشأ ايمانه عن شهادة الوحي والفطرة
فليتأمل اللبيب هذه الاية العظيمة ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة فذكر سبحانه وتعالى نوره في السموات والأرض ونوره في قلوب عباده المؤمنين النور المعقول المشهود بالبصائر والقلوب والنور المحسوس المشهود بالابصار الذي استنارت به اقطار العالم العلوي والسفلي فهما نوران عظيمان أحدهما اعظم من الاخر وكما انه اذا فقد أحدهما من مكان أو موضع لم يعش فيه ادمي ولا غيره لان الحيوان انما يتكون حيث النور ومواضع الظلمة التي لا يشرق عليها نور لا يعيش فيها حيوان ولا يتكون البتة فكذلك أمة فقد فيها نور الوحي والايمان ميتة وقلب فقد منه هذا النور ميت ولا بد لاحياة له البتة كما لا حياة للحيوان في مكان لا نور فيه