الصفحة 7 من 44

قال النووي: قال العلماء: أصله أنَّ الرجل إذا أراد إنذار قومه وإعلامهم بما يوجب المخالفة نزع ثوبه وأشار به عليهم إذا كان بعيدًا منهم؛ ليخبرهم بما دهمهم ويبقى عريانًا، وأكثر ما يفعل هذا ربيئة القوم، وهو طليعتهم ورقيبهم، وقالوا: وإنَّما يفعل ذلك؛ لأنَّه أَبْيَن للناظر وأغرب وأشنع منظرًا عند المبصر، ويكون على مكان عالٍ، فهو أبلغ في استحثاثهم في التأهب للعدو، وقيل: معناه: أنا النذير الذي أدركني جيش العدو فأخذ ثيابي فأنا أنذركم عريانًا [1] . والأصل فيه: أنَّ رجلًا لقي جيشًا فسلبوه وأسروه فانفلت إلى قومه فقال: إنِّي رأيت الجيش فسلبوني، فرأوه عريانًا فتحققوا صدقه؛ لأنَّهم كانوا يعرفونه ولا يتهمونه في النصيحة ولا جرت عادته بالتعري، فقطعوا بصدقه لهذه القرائن، فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - لنفسه ولما جاء به مثلًا بذلك لما أبداه من الخوارق والمعجزات الدالة على القطع بصدقه؛ تقريبًا لإفهام المخاطبين بما يألفونه ويعرفونه [2] .

ويؤيده ما أخرجه الرامهرمزي في [الأمثال] [3] وهو عند أحمد أيضًا بسند جيد من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه - رضي الله عنه - قال: (خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فنادى ثلاث مرات: أيها الناس مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوًا أن يأتيهم فبعثوا رجلًا يترايا لهم، فبينما هم كذلك إذ أبصر العدو، فأقبل لينذر قومه فخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه أيها الناس أتيتم ثلاث مرات) [4] .

وأحسن ما فسر به الحديث من الحديث، وهذا كلّه يدلّ على أنَّ العريان من التعرّي وهو المعروف في الرواية.

قوله: (فالنجاء النجاء) أي: اطلبوا النجاء بأن تسرعوا الهرب، إشارة إلى أنَّهم لا يطيقون مقاومة ذلك الجيش.

(1) شرح مسلم 15/48. النهاية 3/225.

(2) الفتح 11/317.

(3) أمثال الحديث المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - 2324، [10] .

(4) مسند أحمد 5/348.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت